وكدورة ولوث وانحراف ، ورشح من النفوس الخبيثة والكيانات الدنسة توطئة للظلم والعدوان ، وحركة نشأت على أساس الاعتداء والتفرقة ونجمت من القبائح والمنكرات الظاهريّة والباطنيّة .
وكأنّ هذه الآيات تحاور وتخاطب باطن الإنسان وأعماقه ، وهذا هو معنى خلود الآيات المستند على أساس راسخ وقاعدة أصيلة ، وهذا هو البرنامج العمليّ الذي لا يتغيّر إلى يوم القيامة لكلّ فرد ، وفي أي مجتمع ، وفي أي زمان ومكان ، بلا استثناء ولا حدود ، والذي يحدّثنا به النبيّ العظيم الشأن ، تلاوة وقراءة ، عن الله الربّ الرحيم .
فذلك النبيّ الذي كان أحد جنبيه تجاه عالم الغيب ، وجنبه الآخر نحو عالم الشهادة ، كان يتلقّى من هناك ، فينقله ويعكسه هنا ، يتلقّى من هناك .
وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ،
« 1 » وهو هنا أشبه بأمواج النور المعنويّ والملكوتيّ يسدّ أفق الملك ، وتنبثق نبراته من حنجرته المباركة فتصل إلى القطبين ، وتسخّر الخافقين ، وتترك أرواح العشّاق والوالهين للوصول ولقاء جمال الحقّ مترنّمة إلى يوم القيامة بهذه الأنشودة .
معنى ظهر القرآن وبطنه ، وحدّه ومطّلعه ، وجريانه مجرى الشمس والقمر
يروي العيّاشيّ في تفسيره ، بإسناده ، عن فضيل بن يسار أنه قال .
سَألْتُ أبَا جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ . مَا مِنْ القُرْآنِ آيةٌ إلَّا وَلَهَا ظَهْرٌ وَبَطْنٌ ؛ وَمَا فِيهِ حَرْفٌ إلَّا وَلَهُ حَدٌّ ، وَلِكُلِّ حَدٍّ مُطَّلَعٌ ؛ « 2 » مَا يَعْنِي بِقَوْلِهِ . لَهَا ظَهْرٌ وَبَطْنٌ ؟
هامش
( 1 ) - الآية 6 ، من السورة 27 . النمل ، وهي الآية التي أوردناها في مطلع البحث .
( 2 ) - المطَّلَع إمّا بتشديد الطاء وفتح اللام بمعني مكان الاطّلاع من علوّ ، أو علي وزن المصْعَد وله نفس معني المصعد ، أي المكان الذي يُذهب إليه لتحصيل العلم والاطّلاع ، وحاصله قريب من المعني الأوّل ؛ وهو معني التأويل والباطن كما أنّ معني الحدّ قريب من معني الظاهر والتنزيل .