تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
وجاء الدين الإسلاميّ بتعاليمه وأحكامه ومطالبه - طبقاً لكتاب القرآن السماويّ - وهو منتزع من الفطرة ، وقد شرّعت أحكامه وقنّنت قوانينه متماشية ومنسجمة مع الاحتياجات الباطنيّة في الخلقة التي يجب أن يتمتّع بها الإنسان في مسيرته . فأحكام القرآن منتزعة من الطبائع الأوّليّة للإنسان والغرائز التي خلقها الله مع البشر ، ولأنّ الغرض من هذه الأحكام هو تنمية هذه الغرائز وتكميلها ، فقد كانت على الدوام ثابتة لا تتغيّر ، إلّا إذا فقد الإنسان غرائزه فتحوّل عندئذٍ عن إنسانيّته وبشريّته ، وهو افتراض تبدّل الماهيّة وتغيّرها ، وهو محال . فمادام الإنسان إنساناً ، فهذه الأحكام سارية ، وهي له كالغذاء إذ لابدّ لها من أن تسدّ احتياجاته كالأكل والشرب . والإنسان هو إنسان أبداً . والسبب العامّ لهذه الفلسفة الكلّيّة هو أنّ الخصائص والميزات الفرديّة لا علاقة لها ولا دخل في هذه الأحكام ، إذ إنّ كلّ حكم قد جعل لموضوع معيّن ، ووجود ذلك الموضوع الكلّيّ هو العلّة التامّة لاستجلاب ذلك الحكم دون تدخّل الخصوصيّة الفرديّة .
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ، مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ .
« 1 » تبيّن هذه الآية أنّ أساس الدين قائم على أساس الفطرة الإنسانيّة الثابتة ، وباعتبار انتفاء أي تغيير وتبدّل في خلقة الإنسان وبنائه الروحيّ والنفسيّ والجسميّ ، فإنّ هذا الدين ثابت وراسخ لا يتغيّر .
هامش
( 1 ) - الآيات 30 إلى 32 ، من السورة 30 . الروم .