وقد أشار ابن الفارض في نَظْم السلوك لهذه الكيفيّة من التمثّل ، فقال . إنّني لا أدّعي في التوحيد الذي وصلته ، وظهور الحقّ المتعال في الحلولَ ، فالحلولُ كفرٌ وزندقة وإلحاد ، ولستُ كذلك أدّعي الاتّحاد فأقول إنّني اتّحدت مع الله ، لأنّ الاتّحاد يستلزم الثنائيّة والانفصال بين الشيئين المتّحدين ، وهو كفر أيضاً ، بل إنّ دعواي فقط تجلّي وظهور الحضرة الأحديّة ، فليس لي في مقام الفناء المطلق وجود ليحلّ الله فيه أو يتّحد معه ، بل إنّي فنيتُ فيه فظهر في ، وطلعتْ وظهرتْ صفاته وأسماؤه في وجودي . وظهور وتجلّي الحقّ هذا على صورة إنسانيّة في تمام الصدق والإمكان والواقعيّة .
ثمّ يشير ابن الفارض لإثبات مدّعاه لقضيّة دحية الكلبيّ ، ويشبّه تمثّل وتجلّي الحقّ تعالى في وجوده كتمثّل وظهور جبرائيل بصورة دحية .
وَهَا دِحْيَةٌ « 1 » وَافَي الأمِينَ نَبِيَّنَا * بِصُورَتِهِ ، في بَدْءِ وَحْيِ النُّبُوَّةِ !
هامش
( 1 ) - أورد ابن حجر العسقلانيّ في كتاب « الإصابة » أنّ دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزرج ، صحابيّ مشهور ، أوّل مشاهده الخندق ، وقيل أحد ، لم يشهد بدراً ، وكان يُضرب به المثل في حسن صورته ، وفي حديث امّ سلمة وعائشة وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك أنّ جبرائيل كان ينزل على صورته .
وكان دحية رجلًا وسيماً قال العجليّ في تاريخه . كان أحسن الناس صورةً مَن كان جبرائيل ينزل على النبيّ على صورته . ويقول ابن قتيبة .
كان دحية إذا قدم المدينة لم تبق معصَّرة إلّا خرجت تنظر إليه . وهو رسول النبيّ إلى قيصر الروم فالتقاه في أوائل السنة السابعة أو أواخر السنة السادسة في حِمص . وأرسله رسول الله بسريّة . وحضر غزوة إلى رموك مع رسول الله . وكان في كردوس . وجاء دمشق فسكن في المزة وبقي حيّاً إلى خلافة معاوية . ( ج 1 ، ص 463 و 464 ، رقم 2390 ) .
وأورد ابن عبدالبرّ في « الاستيعاب » ج 2 ، ص 461 في الترجمة رقم 701 ؛ وابن الأثير الجزريّ أيضاً في « أسد الغابة » ج 2 ، ص 130 ترجمة أحوال دحية قريباً ممّا ذكر في « الإصابة » وأضافا . أنّ قيصر الروم قد آمن برسول الله عند لقائه دحية ، لكنّ بطارقته النصاري امتنعوا عليه ، فأخبر دحية رسول الله بذلك فقال . اللهمّ ثبّت ملكه .
وأورد آية الله المامقانيّ في « تنقيح المقال » ج 1 ، ص 417 ترجمة أحواله بنحو مختصر ، وقال . ورد في أخبار الفريقين أنّ جبرائيل كان يأتي أحياناً عند رسول الله صلّى الله عليه وآله على صورة دحية ، وهذا دليل على وثاقته . وقد أرسله رسول الله زمن الهدنة سنة ستّ إلى قيصر فآمن قيصر برسول الله .