تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
أمّا ما كان مشهوداً لرسول الله عند نزول الوحي ، فكلّ الأسرار والعلوم الباطنيّة ، والتجلّيّات الربّانيّة ، والكشف السبحاتيّ ، التي أودعتها يد الفطرة والقدرة للحقّ جلّ وعزّ في وجوده الشريف . وهذه التجلّيات والمعجزات والكرامات والعلوم الغيبيّة التي لا تعدّ ولا تحصى قد انطوت كلّها فيه بإذن الخالق الودود ، وكان الله سبحانه يظهر ويتجلّى له بواسطة الروح أو جبرائيل أو السفرة الكرام البررة . وكان سير رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في منازل ومراتب القرب من الحقّ تعالى ، وفي المعراج الربّانيّ ، ومشاهدة آثار الجمال والجلال السبحانيّ ، والإحاطة بالأمور الباطنيّة ، وكشف الأسرار والألغاز والعلوم البكر التي لم تنلها يدُ بشر ؛ كلّه سيراً في منازل النفس ومراحلها ، وعبوراً من الحجب النورانيّة ، وخلقة خلعها ربّ العزّة على رسوله إذ رأى قامته المديدة تناسب التشرّف بهذا اللباس والخلقة وتليق به . إ نّ وصول النبيّ لدرجة الفناء المطلق والعبوديّة المحضة ، التي هي نفسها مقام الولاية الكلّيّة ، يستتبع السيطرة والإحاطة على جميع ما سواه ، حتى الملائكة المقرّبين ، وحملة العرش ، وجميع روحانيّي عالم الملكوت ، والجنّ والإنس في عالم الملك ، والهيمنة والتسلّط على جميع أصناف وأنواع الحيوانات والنباتات والجمادات ، فلو قيل - والحال هذه - إنّ جبرائيل وإسرافيل وعزرائيل كانوا خاضعين للأمر والحكم الإلهيّ والمكلوتيّ للنبيّ لما دعا ذلك إلى التعجّب والدهشة ، إذ إنّ النبيّ لا يمتلك هنا الإحاطة العلميّة فقط ، بل الإحاطة الذاتيّة والوجوديّة ، فضلًا عن مقام الآمريّة والمأموريّة ، فحقيقة جبرائيل وسائر الملائكة هي في الحقيقة تجلٍّ وجوديّ له صلّى الله عليه وآله وسلّم ، لانتفاء الثنويّة والفاصلة بينه وبين الله سبحانه ؛ ولم يكن في الأمر اتّحاداً وحلولًا بين شيئين ، بل كان هناك