معيّن ومقدّر ، والمراد من الصراط المستقيم هو السُّنّة الإلهيّة الواحدة التي تضع جميع الموجودات في هذا الصراط وتهيمن عليها . وقد كان هذا هو قول النبيّ هود على نبيّنا وآله وعليه الصلاة والسلام لقومه بعد أن قال .
إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ
، « 1 » ومن هنا يُعلم أنّ حقيقة التوكّل تعني الخروج والتنصّل من حول النفس وقوّتها واتّخاذ الله وكيلًا وكفيلًا ، وعبارة عن ورود الصراط المستقيم ومشاهدة أنّ زمام المخلوقات جميعاً بِيَدِ الحقّ تعالى ، ولا يستثنى من هذا الحكم حتى ذرّة واحدة .
فالكلّ قد خضعت رقابهم في مقام العبوديّة ، المؤمن والكافر ، والعادل والفاسق ، يتفّقون ويتّحدون بدون أدنى اختلاف وتغيير من جهة أمر التكوين ومن جهة الوجه الربوبّي ومن جهة الوجه الأمريّ ، هذه الموجودات نفسها التي كانت تختلف وتتغاير من جهة أمر التشريع والاعتبار ، ومن جهة الوجه الخلقيّ ، ومن جهة جنبة العالم هذه . ولا ينحصر اختلافها ومغايرتها في أصول وفروع الهيئة والتركيب ، بل يتعدّى ذلك إلى أدقّ مراحل تشخّصها ، فكلٌّ منهم يسلك سبيلًا يتحرك فيه غير سبيل الآخر .
وسرّ ذلك أنّ الله سبحانه واحد ، وجميع الموجودات مخلوقاته هو فحسب ، وبالرغم من أنّ الله قد أوجدها كثيرة الاختلاف - وإلّا لم يكن لها هذه الكثرة والتعدّد - ومع ذلك فهي متّصلة ومرتبطة به ، وهي من جهة المخلوقيّة سواء ، فكلّها ظهورات وتجلّيات الواحد الذي هو الله ، والتكرار في التجلّي محال غير ممكن ، فقد نشأت كلّها من مبدأ واحد ، وتتحرّك في مسير واحد ، وتنتهي إلى غاية واحدة .
وكم كان جميلًا بيان العارف الجليل الشيخ محمود الشبستريّ رحمه
ج
هامش
( 1 ) - قسم من الآية 56 ، من السورة 11 . هود .