المستقيم وفوائده التي تضيق عن الحصر ؛ أي أن يرفعهم من الكثرة إلى الوحدة ، ومن الثنويّة إلى التوحيد ، ومن رؤية الوجه الخلقيّ للموجودات إلى زيارة ولقاء وجه الله ، وخلاصة القول يوصلهم بالطريق والسبيل والنهج إلى الصراط المستقيم .
ولإيضاح هذا المختصر نقول . إنّ كل موجود من الموجودات ، وكلّ ظاهرة في عالم الخلق تخضع لقانون وبرنامج منظّم لا تتخطّى عنه أبدا ، فهي تتحرّك على الدوام في الطريق والمسير الذي خطّه لها خالقها ، كلٌّ تحت خصوصيّة من الخصوصيّات وماهية من الماهيّات ، بلا إفراط وتجاوز وسبق وتعدّي ، وبلا تفريط وقصور وفطور ، مع شروط معيّنة ومعدّات خاصّة إلى المقصد والغاية الطبعيّة والطبيعيّة وكمال الحياة المادّيّة ، كلٌّ ينشد هدفه ويتوجّه نحوه ويطمئنّ إليه ويسكن .
هذا من الجهة الظاهريّة ، وهي تختلف في هذه الحالة عن بعضها في البداية والمنتهى ، وفي السير والمسير ، وفي الظروف والعقبات ، وفي الغاية والنتيجة ، وفي الرزق والتحمّل ، وأخيراً فهي تختلف في كلّ شيء وفي جميع الأعراض التسعة التي تطرأ على الجوهر .
لكنّ جميع هذه الموجودات ، بلا اختلاف في النهاية ، تتحرّك معاً في توحّد واتّفاق ، وفي منتهى الانس والألفة إلى مقصدٍ واحد وهو الله سبحانه ، فهو الذي يمسك بزمام حركتها في الباطن ، كلًّا على انفراد ، فيسوقها إليه .
فالنملة تختلف عن النحلة وتتفاوت من جميع الجهات ، لكنّهما يتّحدان من هذه الجهة ولا تنفصلان ؛ وبالرغم من اختلاف الإنسان عن الحيوان ، واختلاف أصناف الحيوانات البرّيّة والبحريّة والطائرة عن بعضها ، لكنّها تتّفق وتتّحد جميعاً في سيرها إلى الله ، ذلك السير الذي لا تتوقّف عنه لحظة ولا تبطئ في سرعتها واندفاعها فيه .
نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت — صفحة 194
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١٩٤