تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢

مزية الشريعة الإسلاميّة بعلوّ معارفها لا بكثرة أحكامها

ومن أعجب ما ذُكر في هذا المقام ما ذكره بعض المحقّقين من أهل التفسير جواباً عن هذه الشبهة . أنّ دين الله واحد وهو الإسلام ، والمعارف الأصليّة وهي التوحيد والنبوّة والمعاد وما يتفرّع عليها من المعارف الكلّيّة واحد في الشرائع ، وإنّما مزية هذه الشريعة علي ما سبقها من الشرائع هي . أنّ الأحكام الفرعيّة فيها أوسع وأشمل لجميع شؤون الحياة ، فهي أكثر عناية بحفظ مصالح العباد . وثانياً أنّ أساس هذه الشريعة موضوع على الاستدلال بجميع طرقها من الحكمة والموعظة والجدال الأحسن . وثالثاً أنّ الدين وإن كان ديناً واحداً والمعارف الكلّيّة في الجميع على السواء غير أنهم سلكوا سبيل ربّهم قبل سلوكنا ، وتقدّموا في ذلك علينا ، فأمرنا الله النظر فيما كانوا عليه والاعتبار بما صاروا إليه . وقد ردّ العلّامة على هذا القول بهذا الشكل . هذا الكلام مبنيّ على أصول في مسلك التفسير مخالفة للُاصول التي يجب أن يبتني مسلك التفسير عليها ، فإنّه مبني على أنّ حقايق المعارف الأصليّة واحدة من حيث الواقع من غير اختلاف في المراتب والدرجات وكذا ساير الكمالات الباطنيّة المعنويّة ، فأفضل الأنبياء المقرّبين مع أحسن المؤمنين من حيث الوجود وكماله الخارجيّ التكوينيّ على حدٍّ سواء ، وإنّما التفاضل بحسب المقامات المجعولة بالجعل التشريعيّ من غير أن يتّكي على تكوين ، كما أنّ التفاضل بين الملك والرعية إنّما هو بحسب المقام الجعليّ الوضعيّ من غير تفاوت من حيث الوجود الإنسانيّ . ولهذا الأصل أصلٌ آخر يبنى عليه ، وهو القول بأصالة المادّة ونفي الأصالة عمّا ورائها والتوقّف فيه إلّا في الله سبحانه بطريق الاستثناء بالدليل ، وقد وقع في هذه الورطة مَن وقع لأحد أمرين . إمّا القول بالاكتفاء بالحسّ اعتماداً على العلوم المادّيّة ، وإمّا إلغاء التدبّر في القرآن بالاكتفاء