بالأخبار المتواترة ، وهو عليه السلام أوّل فاتح لهذا الباب من الامّة .
وثالثها . أنّ الهداية إلى الصراط يتعيّن معناها بحسب تعيّن معناه ، فالهداية هي الدلالة وإراءة الغاية بإراءة الطريق ، وهي نحو إيصال إلى المطلوب ، وإنّما تكون من الله سبحانه ، وسنّته سنّة الأسباب بإيجاد سبب ينكشف به المطلوب ويتحقّق به وصول العبد إلى غايته في سيره ، وقد بيّنه الله سبحانه بقوله .
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ،
« 1 » وقوله .
ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ
. « 2 » وتعدية قوله تلين ب - إلى لتضمين معنى مثل الميل والاطمئنان ، فهو إيجاده تعالى وصفاً في القلب به يقبل ذكر الله ويميل ويطمئن إليه .
وكما أنّ سبله تعالى مختلفة ، فكذلك الهداية تختلف باختلاف السبل التي تضاف إليه ، فلكلّ سبيل هداية قبله تختصّ به ، وإليه ذا الاختلاف يشير قوله تعالى .
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ،
« 3 »
معنى المجاهدة في الله وفي سبيل الله
إذ فرّق بين أن يجاهد العبد في سبيل الله ، وبين أن يجاهد في الله ، فالمجاهد في الأوّل ( جَاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ ) يريد سلامة السبيل ودفع العوائق عنه ، بخلاف المجاهد في الثاني
( جاهَدُوا فِينا )
فإنّه إنّما يريد وجه الله ، فيمدّه الله سبحانه بالهداية إلى سبيل دون سبيل بحسب استعداده الخاصّ به ، وكذا يمدّه الله تعالى بالهداية إلى السبيل بعد السبيل حتى يختصّه لنفسه جلّت عظمته .
ورابعها . أنّ الصراط المستقيم لمّا كان أمراً محفوظاً في سبل الله
هامش
( 1 ) - الآية 125 ، من السورة 6 . الأنعام .
( 2 ) - الآية 23 ، من السورة 39 . الزمر .
( 3 ) - الآية 69 ، من السورة 29 . العنكبوت .