فالصراط المستقيم أصحابه منعم عليهم بنعمة هي أرفع النعم قدراً ، يربو على نعمة الإيمان التامّ ، وهذا أيضاً نعت من نعوت الصراط المستقيم . ثمّ إنّه تعالى على أنه كرّر في كلامه ذكر الصراط والسبيل لم ينسب لنفسه أزيد من صراط مستقيمٍ واحد ، وعدّ لنفسه سبلًا كثيرة ، فقال عزّ من قائل .
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
. « 1 »
وكذا لم ينسب الصراط المستقيم إلى أحدٍ من خلقه إلّا ما في هذه الآية
صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
- الآية ، « 2 » ولكنّه نسب السبيل إلى غيره من خلقه في عدّة مواضع ، كنسبته إلى النبيّ .
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ،
« 3 » وكنسبته إلى المنيب للّه .
وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ،
« 4 » وكنسبته إلى المؤمنين .
وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً .
« 5 »
الصراط المستقيم واحد ومختصّ بالله ؛ والسبل كثيرة وتنسب للغير
ويُعلم منها أنّ السبيل غير الصراط المستقيم فإنّه يختلف ويتعدّد ويتكثّر باختلاف المتعبّدين السالكين سبيل العبادة بخلاف الصراط
هامش
( 1 ) - الآية 69 ، من السورة 29 . العنكبوت .
( 2 ) - وسببه أنّ المراد من « الذين أنعمت عليهم » خصوص أولياء الله الذين نالوا فوز الوصول إلى الولاية الكلّيّة ، لأنّ المراد من النعمة أينما وردت في القرآن الكريم كان خصوص نعمة الولاية . وعلى هذا فإنّ إضافة ونسبة الصراط إلى المنعم عليهم لا يختلف عن إضافته إلى الله ، لأنّ شرط الولاية الفناء المحض لوليّ الله في ذاته القدسيّة ، والمؤثّر هو وحدة الفاني والمفنيّ فيه ، فصراط الله وصراط وليّ الله صراط واحد حقّاً وحقيقة .
( 3 ) - الآية 108 ، من السورة 12 . يوسف .
( 4 ) - الآية 15 ، من السورة 31 . لقمان .
( 5 ) - الآية 115 ، من السورة 4 . النساء .