قُل لهم أيّها النبيّ . إنّ القرآن كتاب التوحيد الذي جاء ليجتاز بكم مرحلة البهيميّة إلى أفق الإنسانيّة المشرق الوضّاء ، وهو كتابٌ أرسله الله ، لم يكن من صنع يدي أو من بنات أفكاري ، لم آتِ به من عند نفسي أو أنشئه وفق رغبتي كي اغيّر فيه برأيي وذوقي ، بل إنّ قلبي كالمرآة مقابل أنوار الحقّ تعال ى ، يوحي إليه ما يشاء ، ولو خطر لي مخالفة ، مهما صغرت ، لمسّني في ذلك العذاب الأليم . ودليلي الواضح على صدق دعواي هذه عيشي فيكم أربعين سنة اعاشركم وتعاشرونني ، لم تسمعوا عنّي طيلتها جملةً من كلامٍ كهذا . فاعلموا ، إذَاً ، أنّ القرآن ليس من كلامي ، بل هو وحي الله الذي نزل وأمرت بتلاوته عليكم وتبليغه لكم .
فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ ، وَما لا تُبْصِرُونَ ، إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ، وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ ، وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ، وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ، لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ ، فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ ، وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ
. « 1 »
والخلاصة فقد ظلّ العديد لا يُقلعون عن متابعة هوى النفس الأمّارة ، ولا ينقادون للآيات القرآنيّة الكريمة ، لتسلّط الغرائز الشيطانيّة والملكات ، سواء ما ورثوه أم ما اكتسبوه ، وهؤلاء وأمثالهم لا يزيدهم عرض القرآن عليهم إلّا إصراراً على الجحود والإنكار ممّا يتمّ الحجّة عليهم ويعقبهم شقاءً وخسراناً ، وهو معنى زيادة الخسران
وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً .
بَيدَ أنّ جماعة أخرى امتلكت الروح الطاهرة النزيهة ، والغرائز الرحمانيّة ، والملكات الحسنة الموروثة ، والتربية الصالحة ، فسمت فوق
هامش
( 1 ) - الآيات 38 إلى 48 ، من السورة 69 . الحاقّة .