تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
سبل النجاة ، وكانت الباء في يَهْدِي بِهِ للآلة ؛ أي أنّه يهدي بسببٍ وآلةٍ هي القرآن ، كما في كَتَبْتُ بِالقَلَمِ . ومعلوم أنّ جميع الأسباب تحت إرادة ومشيئة الحقّ تعالى مسبّب الأسباب ، فالقرآن إنّما هو وسيلة للهداية الإلهيّة ، وسيلة لا استقلال لها في العمل ، بل هي محكومة تابعة لأمر الحقّ تعالى . وهذه الهداية الإلهيّة إلى سُبل السلام - كما في هذه الفقرة من الآية - تنحصر في الأفراد الفائزين برضا الله التابعين سبل نيل رضوانه وقبوله ، لا أن تعمّ هدايته الناس بلا قيد أو شرط . أي أنّ القرآن ليس كتاب هداية لمن لا يسعى في تحصيل رضا الله ويسلك طريق القربة إليه ، وهنا نكتة مهمّة جدّاً ، وحاصلها أنّ القرآن لا يسوق الناس قهراً واضطراراً إلى سبيل الهداية ، بل إنّه يهدي ويرشد ويوصل إلى الغاية مَن كان بصدد تهذيب نفسه وتزكيتها . إ نّ جميع الأنبياء والمرسلين وكلّ الكتب السماوية المنزلة لم يكونوا ليسعوا إلى تغيير ماهيّات الناس وسوقهم للانقياد بالإكراه والإجبار ، ولو حصل ذلك لفقد التكليف معناه ، ولما كان للجنّة والنار ، والملك والشيطان ، والنفس المطمئنّة الملهمة والنفس الأمّارة ، والسعادة والشقاء أي معن ى ومفهوم . فالإنسان - إذاً - يمتلك إختياراً فطريّاً متأصّلًا في سجيّته ، معجوناً في جبلّته ، ينشأ منه طريق السعادة والشقاء ، فيصبح به شكوراً أو كفوراً .
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً
. « 1 » وأعجب من ذلك ! أنّ القرآن الكريم لا تنعدم فيه خاصيّة الشفاء
هامش
( 1 ) - الآية 3 ، من السورة 76 . الإنسان .