انحسار أسم الخلافة وفصل الدين عن الدولة ، بحيث أصبحت السلطات لا ترى من واجباتها القيام بالوظائف الدينية ولا ترى من يؤديها مزاحماً لها في سلطانها فلماذا التقصير في إقامتها وحرمان الأمة من بركاتها ؟ بل حتى في عصور الخلافة لا يوجد محذور في إقامتها في القرى والمدن الصغيرة التي ليس من شأن الولاة تعيين أئمة جمعة لها ، وبالتالي فلا تُعدُّ إقامتها فيها خروجاً على الدولة ، ولذا سنسمع في بعض الروايات عتب الإمام الصادق ( عليه السلام ) على أصحابه أن لا يقيموها في مدنهم متذرعين بعدم إقامة الإمام ( عليه السلام ) ، لها لكن وضع الإمام في المدينة المنورة - حيث يقيم بنفسه أو من ينصبه جمعته أ - يختلف عن مدنهم .
لكن هذا الاتجاه ترسّخ في أذهان الأجيال اللاحقة حتى اتفقوا على عدم وجوبها التعييني ، أي انحصار الفرض في ظهر يوم الجمعة بها دون صلاة الظهر في مقابل من قال بالتخيير بينهما أو قال بعدم مشروعية صلاة الجمعة في عصر الغيبة وانحصار الفرض بالظهر ، هذا مع إجماعهم بل يُعدُ من ضروريات الدين وجوبها التعييني في زمن الحضور وتمامية الأدلة على وجوبها ، إلا أنهم فهموا عدم إقامة الأئمة ( عليهم السلام ) وأصحابهم لها تغييراً في نحو الوجوب ، وقصوراً في اقتضاء الأدلة للوجوب التعييني ، أما نحن - وهذه نقطة الفرق الجوهرية - فلا نرى قصوراً في المقتضي ، وإنما لم يقمها الأئمة ( عليهم السلام ) وأصحابهم لوجود المانع الذي زال في العصور الأخيرة فيكون وجوبها تعيينياً وليس تخييرياً .
خطاب المرحلة — صفحة 529
مساهمون: الشيخ محمد اليعقوبي
ص٥٢٩