الفرق بين الصالحين والذين عملوا الصالحات :
لذلك يفرق القرآن بين مرتبتين : أولهما : الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وثانيهما : الصالحين ، تلك الفئة التي يدعو مثل إبراهيم ( عليه السلام ) أن يجعله منهم في قوله تعالى
( وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ )
( يوسف : 101 ) ، فالأولى أدنى مرتبة من الثانية ؛ لأنه وإن عمل صالحاً إلا أنه لا تعلم حقيقته ما هي ، فقد يصدر منه غير الصالح ، لذلك فقد ورد في آية أخرى
( خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً )
( التوبة : 102 ) ، فإذن يمكن أن يصدر منهم كلا العملين ، أما الثاني فذاته صالحة فهو الصلاح بنفسه ، فلا يصدر منه إلا صالح .
وقد ذكر العلماء لذلك مثالًا : قطعة الفحم إذا وضعتها قريبة من النار فإن لها حالات ثلاث : الأولى تصبح الفحمة حارة ، والثانية تصبح حمراء لكن باطنها يبقى فحماً فلم تتبدل حقيقتها ، والثالثة أنها تتأجج النار في باطنها حتى تصبح جمرة متقدة بذاتها ومصدراً لإعطاء الحرارة والنور ، فقد تبدلت حقيقتها ، فالحالة الأولى تزول بسرعة بمجرد زوال مصدر الحرارة وتعود فحمة سوداء ، أما الثانية فتزول لكن ببطء ، أما الثالثة فغير قابلة للزوال ولا تعود فحماً بعد أن تبدلت حقيقتها .
فالإنسان قد تصدر منه الأعمال الصالحة من دون أن تتحول ذاته من مادية أرضية إلى إلهية ، فهذه وإن كانت على خير إلا أنها عرضة للانحراف في أية لحظة ، وهي أدنى مرتبة من تلك التي تبدلت حقيقتها وتحولت فأصبحت مصدراً للخير فقط ولا تصدر منها المعصية بل لا يخطر على ذهنها شي من ذلك ، وقد سمّى الله تبارك وتعالى الفئة الأولى أصحاب اليمين ، والثانية السابقون ، وقال عنهم :
( أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ )
( الواقعة : 11 ) رغم أن كليهما على خير ، وبهذا نكون قد أيدنا المعنى الذي ذكرناه للقرب أي أن القرب إلى الله تعالى يكون بمقدار ما تتغير ذات الإنسان بالصفات الإلهية حتى تصبح حقائق راسخة فيها .