القريب من الله تعالى من اتصف بصفاته تعالى :
وقد ذكر لمعنى القرب إلى الله تبارك وتعالى عدة معانٍ إذ لا يمكن حملها على ظاهرها ، فالله ليس بعيداً عن شي من مخلوقاته وهو أقرب إلينا من حبل الوريد وأكثر من ذلك
( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ )
( الأنفال : 24 ) ، وفي الدعاء ( يا من قَرُبَ من خطرات الظنون ) وفي آخر ( وقرب فشهد النجوى ) .
إن القرب من الله تعالى يعني فيما يعني مقدار الاتصاف بالصفات الإلهية المعبر عنها بالأسماء الحسنى ، فقربه إلى الله تعالى يكون بمقدار تجرده عن الخصائص المادية وحمله للصفات الإلهية بحيث تكون هذه الصفات ذاتية له .
والإنسان يحمل كلا الخصائص ، وبلحاظ الأولى وهي المادية ذمّه القرآن ووصفه بأوصاف قبيحة : ( عجول ، كفار ، كنود ، ظلوم ، جهول ) وهي التي طبيعتها وسجيتها أن تقعده عن فعل الخير وتشده إلى الأرض ، أرض النفس الأمارة بالسوء ، أرض الشهوات والغرائز
( اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ )
( التوبة : 38 )
( أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ )
( الأعراف : 176 ) ، وبلحاظ الثانية وهي الإلهية مدحه القرآن وكرّمه
( وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا )
( الإسراء : 70 ) ، وإنسانية الإنسان إنما تتحقق بالثانية لا بالأولى التي يشاركه فيه الحيوان .
وقد خطر على ذهني ذات مرة وأنا في الحضرة العلوية الشريفة هذا المعنى للحديث الشريف : ( قيمة كل امرئ ما يحسنه ) ، أي أن درجته عند الله تبارك وتعالى تكون بمقدار ما يحمل من الصفات الحسنى لله تبارك وتعالى ، فكلما ازدادت رحمته كان أقرب إلى الله ، لأن الرحيم من الأسماء الحسنى ، وكلما ازداد عفوه كان أقرب ، لأن العفو من الأسماء الحسنى ، وهكذا كلما ازداد كرمه وحلمه وعلمه وحكمته وصبره على أن تكون هذه الصفات ذاتية له وراسخة فيه وليست طارئة عليه ولا تصدر منه بتكلف .