لأنه يعلم أن القرآن إنما يكتسب فاعليته ويؤدي دوره بالقائم به الواعي لأحكامه ومفاهيمه وهم العترة .
وهذه الفتنة - الفصل بين القرآن والناطق به - قديمة وممن ابتلي بها أمير المؤمنين حينما أجبر على التحكيم وعلى أن يجعل القرآن حكماً ، قال ( عليه السلام ) :
( هذا القرآن إنما هو خط مستور بين الدفتين لا ينطق بلسان ولا بد له من ترجمان وإنما ينطق عنه الرجال ) « 1 »
فالكتاب والعترة صنوان لا يفترقان ولا يمكن التمسك بأحدهما دون الآخر فإن أهل البيت ( عليه السلام ) هم باب الله الذي لا يؤتى إلا منه وقد أمرنا بإتيان البيوت من أبوابها .
فما يزعمه غيرنا من اهتمامه بالقرآن أكثر منا باطل جزماً ، نعم ، اهتموا بمخارج حروفه وتحسين الصوت إلى حد الغناء بقراءته وضبط قواعد التجويد التي وضعوها هم وبعضها مخالف للحكم الشرعي ، وهذه كلها اهتمامات قشرية والمهم هو استيعاب المحتوى والمضمون والعمل به فإن اللفظ هو قشر والمعنى هو اللب والمتكلم لا يلحظ اللفظ بنفسه بل يتخذه وعاءً للمعنى وآلة لإيصاله إلى المخاطب والمعنى هو المراد الحقيقي للمتكلم .
وقد وردت أحاديث كثيرة في ذم المتشدقين بألفاظ القرآن وحروفه المضيعين لمعاني القرآن وحدوده ففي الحديث المشهور
( كم من قارئ للقرآن والقرآن يلعنه ) « 2 »
وهو خصمه لأنه غير عامل بما فيه وفي حديث عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال :
( قرّاء القرآن ثلاثة : رجل قرأ القرآن فاتخذه بضاعة واستدر به الملوك واستطال به على الناس فذاك من أهل النار ، ورجل قرأ القرآن فحفظ حروفه وضيع حدوده فذاك من أهل النار ، ورجل قرأ القرآن فوضع دواء القرآن على داء قلبه فأسهر به ليله وأظمأ به نهاره وقام به في مساجده وتجافى به عن فرشه فبأولئك يدفع الله العزيز الجبار البلاء ، وبأولئك يديل الله من
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : الخطبة 125 .
( 2 ) مستدرك الوسائل : كتاب الصلاة ، أبواب قراءة القرآن ، باب 7 ، حديث 7 .