والنظرية إن صحت فإنما تعطي المراد الأول ، ولا تتكفل بالثاني ، فكيف تغني عن جميع العلوم من بلاغة وتفسير وأصول ونحو وغيرها ؟ ! والذي يزيد الطين بلة أنه ورد في الحديث الشريف : أن القرآن نزل بصيغة
( إياكِ أعني واسمعي يا جارة )
أي أن المراد الجدي فيه مختفٍ وراء المراد الاستعمالي ، ويؤكد القرآن ذلك كثيراً ، حيث عبّر عن هذه الألفاظ بأنها أمثال لتقريب الحقائق والمعاني الواقعية للقرآن :
( وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ )
( إبراهيم : 25 ) ، وفي الحديث الشريف :
( لا يكون الرجل منكم فقيهاً حتى يعرف معاريض كلامنا ) ،
أي المعاني التي هي وراء المعاني المتبادرة من الألفاظ التي يريد ( عالم ) أن يكتشفها بنظريته ، فكيف سيحل أسرار القرآن ويفهم نظامه .
19 - إن المعاني التي أعطاها للحروف محدودة ، بينما المعاني متكثرة ولا حصر لها ، فكيف يمكن للمحدود أن يستوعب اللا محدود بينما عملية الوضع عند القائل بالاعتبار مفتوحة ويستطيع الواضع أن يربط بين أي عدد من الحروف ووفق أي ترتيب ويضعه لمعنى معين .
20 - إنه بنظريته جعل دلالة الألفاظ على المعاني ( اعتباطية ) ؛ لأن المسألة عنده ميكانيكية ، فهذا اللفظ يجب أن يدلّ على هذا المعنى سواء قصده المتكلم أم لا ، فتكون العملية خارجة عن إرادة وقصد المتكلم ، وستنشأ فوضى في تبادل الأفكار ، فالمتكلم يقصد شيئاً والمخاطب يفهم - وفق نظرية اللغة الموحدة - شيئاً آخر ، وإن نظريته قهرية تفرض المعاني على الواضع بينما نحن نعلم أن عملية الوضع اختيارية ، إذ ينقدح عندنا معنى معين أو فكرة معينة ، فنعبر عنها بما نشاء من الألفاظ ولا نقهر عليها .
21 - إن جعل دلالة اللفظ على المعنى ميكانيكية فسيولوجية تضييق لأفق اللغة الرحيب ولوي عنقها داخل قمقم - كما يشبهون - بينما هي ذوقية ذات قيمة جمالية تستوعب كل المعاني خصوصاً اللغة العربية التي اختارها الله تبارك