قد أخذ مسبقاً معاني الكلمات وسلم بصحتها وطبق نظريته عليها ، فأعتمد على المعاجم لإثبات صحة نظريته ، ثم أنكر المعاجم ففند بذلك أساس نظريته ، ولو كان تفكيره صحيحاً لنظر في الحروف واستنبط معانيها متجرداً عن أية معلومات مسبقة .
7 - لو أمعنت النظر في كتابه لوجدت أن غاية ما فعله هو إرجاع معاني المفردات ذات الأصل الواحد إلى أصلها ، ثم بين وجه تفرع هذه المعاني عن الأصل ، وهذا جهد قام به علماء كثيرون ، ومنهم الراغب الأصفهاني في المفردات والخليل بن أحمد في كتاب العين ، وابن فارس في معجم مقاييس اللغة الذي أعطى معاني الجذور ذي الحرفين ، ثم ذي الثلاثة أحرف . أما من أين عرف معنى هذا الأصل فليس من نظريته ، وإنما من الكتب الأصلية في هذا المجال كالكتاب المذكور .
8 - إننا لو سلمنا بصحة نظريته فهذا لا يوجب الهجوم على العلماء السابقين ولا يعني إلغاء جهودهم أو عدم صحتها ، فإنهم فهموا معاني الكلمات من دون التفات إلى القانون أو النظرية التي تنظم العلاقة بين اللفظ والمعنى ، وهذا ممكن ؛ كالشعراء الذين نظموا أرقى فنون الشعر وهم غير ملتفتين إلى القواعد العروضية التي تنبّه لها الفراهيدي بعد ذلك بقرون وقنن أصولها ، ولم يقل أن شعر السابقين باطل وهراء لأنهم لم يلتفتوا إلى قوانينه فاعتبروا يا أوليى الأبصار .
9 - إن نظرية هذا النيلي لو تمت فإنها لا تحلّ الخلافات والنزاعات بين الأمم كما يبشر بها هذا المسكين ، لأن منشأ هذا الخلاف ليس هو اللغة ، وإنما النفس الأمارة بالسوء والشيطان اللذان يستعملان مختلف الأدوات لإضلال الناس ، ومنها التلاعب بمعاني الالفاظ ، والذي فعله النيلي أنه حول محور النزاع إلى جهة أخرى وهي معاني الحروف من خلال القيم الصوتية لها ، فالعين عنده تدل على ( اتضاح معالم الحركة المبهمة ) ، وعند الشيخ العلايلي الذي له محاولة
خطاب المرحلة — صفحة 415
مساهمون: الشيخ محمد اليعقوبي
ص٤١٥