حتى أذن الله تبارك وتعالى له بالتبليغ ، بل أمره به وطمأنه من مخاوفه هذه بأنه سيعصمه من الناس ، وبين أهمية هذا الأمر بأنه وحده في كفة وباقي الرسالة كلها في كفة ، فقال عز من قال :
( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ )
( المائدة : 67 ) .
فليس غريباً أن تدرج هذه الآية المباركة وآية الولاية التي سبقتها
( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ )
( المائدة : 55 ) في سورة المائدة التي يستشف المتأمل فيها أن غرضها تأسيس المجتمع المسلم ، وبيان مميزاته الرئيسية ومقوماته وأسس كيانه ، وعرض نقاط الفرق بين المجتمع الذي يقوم على أساس الإسلام والمجتمع الذي ليس كذلك كائناً ما كان وإن سمى نفسه مسلماً ، فإنه في مفهوم القرآن ( مجتمع جاهلي ) ، فالبينونة بين المجتمعين كاملة في الأحكام ( كآيات أوفوا بالعقود وحرمة الكلب والخنزير وغيرها ) وفي من له حق الولاية ( فقد تكررت كثيراً آيات ولاية المؤمنين والبراءة من الكافرين ) ، وفي الشريعة التي تنظم الحياة
( أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ،
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ،
هُمُ الظَّالِمُونَ ،
هُمُ الْفاسِقُونَ )
( المائدة ، 44 ، 45 ، 47 ، 50 ) وتمامها وعقد نظامها آية التبليغ وآية الولاية .
ثم جعل يوم الحسم هذا أعظم عيد في الإسلام ، ففيه كمل الدين وتمت النعمة بعقد البيعة والولاية لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وامتنَّ الله تبارك وتعالى على عباده بذلك فقال عز من قائل :
( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً )
( المائدة : 3 ) .
وجلس رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يتقبل التهاني بهذا الإنجاز العظيم ويقول لأصحابه : هنئوني هنئوني بابن عمي أمير المؤمنين . وأفرد له خباءً ليسلموا عليه ويبايعوا علياً خليفة من بعده وأميراً للمؤمنين ، واستأذنه شاعره حسان بن ثابت أن يقول شعراً في المناسبة ، فأذن له فأنشأ :