وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ مَا هذِهِ الرَّنَّةُ ؟ فَقَالَ : ( هذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ ، إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ ، وَتَرَى مَا أَرَى ، إِلَّا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيّ ، وَلكِنَّكَ وَزِيرٌ ، وَإِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ ) « 1 » .
وهكذا هو منه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حتى فارقت روحه الدنيا ، يقول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) :
( وَلَقَدْ عَلِمَ الْمُسْتَحْفَظُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - أَنِّي لَمْ أَرُدَّ عَلَى اللهِ وَلَا عَلَى رَسُولِهِ سَاعَةً قَطُّ . وَلَقَدْ وَاسَيْتُهُ بِنَفْسِي فِي الْمَوَاطِنِ الَّتي تَنْكُصُ فِيهَا الْأَبْطَالُ وَتَتَأَخَّرُ الْأَقْدَامُ ، نَجْدَةً أَكْرَمَنِي اللهُ بِهَا . وَلَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - وَإِنَّ رَأْسَهُ لَعَلَى صَدْرِي . وَلَقَدْ سَالَتْ نَفْسُهُ فِي كَفِّي ، فَأَمْرَرْتُهَا عَلَىُ وَجْهِي . وَلَقَدْ وُلِّيتُ غُسْلَه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - وَالْمَلَائِكُةُ أَعْوَانِي ، فَضَجَّتِ الدَّارُ والأَفْنِيَةُ : مَلَاٌ يُهْبِطُ ، وَمَلَاٌ يَعْرُجُ ، وَمَا فَارَقَتْ سَمْعِي هَيْنَمَةٌ « 2 »
مِنْهُمْ ، يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى وَارَيْنَاهُ فِي ضَرِيحِهِ . فَمَنْ ذَا أَحَقُّ بِهِ مِنِّي حَيّاً وَمَيِّتاً ؟ ) « 3 » .
ولقد أدى ( عليه السلام ) دوره بنجاح بعد وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وحفظ الإسلام من الضياع ، وكان وجوده والأئمة من بنيه بحق أماناً للأمة من الانحراف ، بحيث يستغيث الخليفة الثاني ويتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن « 4 » ، فكانت خلافة أمير المؤمنين لمقام رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وإمامة الخلق من بعده نتيجة طبيعية ومنطقية لتسلسل التفكير أعلاه لا يسع أي منصف أن يحيد عنها ، ولم يكن النص الذي سنشير إليه - وهو حديث الغدير - هو الذي جعل من علي ( عليه السلام ) إماماً
هامش
( 1 ) نهج البلاغة بشرح الشيخ محمد عبده ، ج 2 ص 157 .
( 2 ) الهينمة : الصوت الخفي .
( 3 ) نهج البلاغة بشرح الشيخ محمد عبده ، ج 2 ص 171 - 172 .
( 4 ) أشار إلى كلمته المشهورة ( لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن ) .