وقد أشارت أم المؤمنين عائشة إلى هذا الانحراف الذي حصل في مسيرة المسلمين عندما كانت تحرّض على الثورة ضد الخليفة الثالث عثمان ، يروي الطبري « 1 » : كانت السيدة عائشة من أشد الناس على عثمان ، حتى أنها أخرجت ثوباً من ثياب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فنصبته في منزلها ، وكانت تقول للداخلين إليها : هذا ثوب رسول الله لم يبلَ وقد أبلى عثمان سنته ، وقالوا إنها كانت أول من سمّى عثمان نعثلًا ( اسم أحد اليهود بالمدينة ) وكانت تقول : ( اقتلوا نعثلا ! قتل الله نعثلًا ) هذا ولم يمرّ على وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أكثر من عقدين من الزمان .
وكان في الداخل اليهود الذين لا ينسون لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وللإسلام القضاء عليهم وتهجيرهم من ديارهم وقتل رجالهم وسبي نساءهم وزوال دولتهم ونفوذهم في المدينة ، لذلك كانت هجمة التشكيكات التي بثّوها في الأمة بعد وفاته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وأسئلتهم المتنوعة الكثيرة التي كانت تعجز خليفة المسلمين وأصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فأصيب المسلمون بالإحباط والضعف والهزيمة أمامهم ، وكانت حملة منظمة وليست اعتباطية ظهرت فجأة بعد غياب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وإقصاء الخليفة الحق الذي كان لهم بالمرصاد رغم إبعاده عن القيادة الدنيوية ، لكنه كان يرى مصلحة الدين وإعلاء كلمة التوحيد فوق كل شيء ، حتى اشتهرت كلمة الخليفة الثاني :
( لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن ) « 2 »
وما علمنا أنه احتاج إلى أحد سواه « 3 » .
هامش
( 1 ) تأريخ الطبري 3 / 477 وقد نقلناه عن كتاب ( بنور فاطمة اهتديت ) / 190 .
( 2 ) أخرجه سبط بن الجوزي ، أسد الغابة 4 / 22 ، الإصابة القسم 1 / 270 ، تهذيب التهذيب 7 / 327 ، عن نظريات الخليفتين لنجاح الطائي .
( 3 ) جعل الخليل بن أحمد الفراهيدي ذلك دليلًا على إمامته حينما سئل ما الدليل على إمامة أمير المؤمنين وخلافته لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال :
احتياج الكل إليه وعدم احتياجه للكل .