ولعله كان هذا بالأصل مجازا ، باعتبار انه كان في الزمن الماضي ، ولا يمكن زواله في المستقبل ، لأنه ليس من شأنه ذلك . فأصبح لازم الذات ، ثم لكثرة الاستعمال فيه أصبح حقيقة . كما يحتمل ان يكون هذا مصطلحا قرآنيا لم يسبق له استعمال في اللغة .
فأصبح من المشترك اللفظي في الأفعال ، ولهذا لا نحس بكونه مجازا . الا ان مشهور الأصوليين لم يعترفوا بوقوع المجازية في الأفعال ، ولا بوقوع الاشتراك اللفظي فيها . فوقعوا في حيرة من أمرهم .
وحيث يستحيل الحمل على الزمان ، يستحيل المعنى الأول ، فيتعين المعنى الثاني في اللّه سبحانه . فلا يفيد قوله :
وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً
، ونحوه ، الا أصل الاتصاف لا وجود الزمان فيه .
ونحوه قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً
،
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً
،
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً
،
وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
،
وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً
. وغيرها .
وهذا المعنى لا يعم غير هذا اللفظ ، وهو ( كان ) بصيغة الماضي ، دون أية مادة أو هيئة أخرى ، حتى المضارع والأمر من كان نفسها .
وهذا التفسير يناسب الاشتراك اللفظي أكثر من الاشتراك المعنوي ، لو قيل به بتصور جامع بين المعنيين . وذلك باعتبار أمرين :
الأمر الأول : ان الاشتراك المعنوي هو الأصل في اللغة والآخر مترتب عليه .
الأمر الثاني : ان الاشتراك اللفظي فرع التباين بين الماهيات . وهنا هذا التباين غير موجود . فان المادة تدل على أصل الوجود والهيئة تدل على الماضوية . فمن أين نعرف تعدد الوضع ولا دليل عليه .
فلا يكون هناك ماهيتان متباينتان لكي يقال : بالوضع المتعدد . إذ هو فرع التباين ، وهو هنا غير متصور .