ما أشكل به على الوجهين السابقين من كون تجويز الإضرار بالغير لدفع الضرر عن النفس قبيحاً ومخالفاً للامتنان ، فلا بد من تخصيص هذه العمومات ، أو القول بخروج الإضرار بحق الناس تخصصاً لأن موضوعها - وبقرينة سياق الكثير منها - الترخيص في حقوق الله تعالى ، وقد شرعت لحفظ المؤمنين وحقوقهم ومصالحهم فكيف تكون مسوغاً للإضرار بهم ، ففي رواية الاحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام ( وآمرك أن تستعمل التقية في دينك - إلى أن قال عليه السلام - فإن الله عز وجل يقول :
( لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً )
وقد أذنت لك في تفضيل أعدائنا إن لجأك الخوف إليه وفي إظهار البراءة منا إن حملك الوجل عليه ، وفي ترك الصلاة المكتوبات إن خشيت على حشاشتك الآفات والعاهات ، فإن تفضيلك أعدائنا علينا عند خوفك لا ينفعهم ولا يضرنا ، وإن إظهارك براءتك منا عند تقيتك لا يقدح فينا ولا ينقصنا ، ولئن تبرأت منا ساعة بلسانك وأنت موالٍ لنا بجنانك لتبقي على نفسك روحها التي بها قوامها ، وما لها الذي به قيامها ، وجاهها الذي به تماسكها ، وتصون من عرف بذلك وعرفت به من أوليائنا وإخواننا من بعد ذلك بشهور وسنين إلى أن يفرج الله تلك الكربة ، وتزول به تلك الغمة فإن ذلك أفضل من أن تتعرض للهلاك ، وتنقطع به عن عمل الدين وصلاح إخوانك المؤمنين .
وإياك ثم إياك أن تترك التقية التي أمرتك بها ، فإنك شائط بدمك ودم إخوانك ، معرّض لنعمتك ونعمهم على الزوال مذل لك ولهم في