مُتحرّكاً باتجاه التعلّق بالوحدة العددية ، ولذا جاءت هذه البحوث العقلية والنصّية الدينية لرفع ذلك التوهّم وتأكيد حقيقة الوحدة الحقّة المناسبة لإطلاقية الواجب سبحانه .
النكتة الثالثة : الوحدة القهَّارية
من الحقائق القرآنية البارزة أنه كلّما نُعت اللهُ سبحانه بالوحدة أردف ذلك بالقهَّارية ؛ قال تعالى : يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ( يوسف : 39 ) ، وأيضاً : قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ( ص : 65 ) ، والقهر هو الغلبة والتذليل ، كما في المفردات « 1 » ، ولا يتمّ إلا بأن لا يدَع لفارضٍ مجالًا أن يفرض له ثانياً مُماثلًا بوجه ، فضلًا عن أن يظهر في الوجود وينال الواقعية والثبوت ، ومن الواضح أنَّ ذلك لا يتحقّق إلا بأن
يكون وجوده غير محدود بحدّ ، ولا مشروط بشرط ، وإلا انعدم فيما وراء حدّه ، وبطل على تقدير عدم قيده أو شرطه ، فيكون مقهوراً لا قاهراً ومحدوداً لا مطلقاً ، مُنعزل الذات عن الإحاطة بغيره من الموجودات ، وبذلك يصحّ للعقل أن يفرض ثانياً له ، سواء كان جائز التحقُّق في الخارج أو غير جائز التحقّق ، وصحَّ أيضاً عند العقل أن يتّصف بالكثرة بالنظر إلى نفسه وإن فرض امتناعه في الواقع ، مع أنه ليس كذلك ؛ لقوله تعالى : أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاء رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيط ( فصِّلت : 54 ) . فتحصَّل أنَّ معنى وحدته تعالى هو أنه من الوجود بحيث لا يحدّ بحدٍّ حتى يمكن فرض ثانٍ له فيما وراء ذلك الحدّ . ولعلّ هذا هو معنى قوله تعالى : قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ ( سورة الإخلاص التوحيد ) ، فإنَّ لفظ : أَحَدٌ
هامش
( 1 ) قال الراغب : ( قهر : القهر الغلبة والتذليل معاً ، ويستعمل في كلّ واحد منهما ) . مفردات غريب القرآن : ص 414 . .