جاءت مُنسجمة مع الغفلة ، بل إنها مُهدَّدة دائماً بذلك ، فاحتاج الأمر إلى الرعاية والتذكير ، وإلا دُسَّ في التراب وانطفأ أثرها وعُطِّل دورها ، فكانت الذكرى فاعلة في تطهير ساحة الفطرة من غطش المادّة والغفلة ، ومن هنا تفهم وجهاً آخر لقوله تعالى : وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ المُؤْمِنِينَ ( الذاريات : 55 ) ، كما ينبغي مُراعاة الحال بعد الذكرى ، وإلا عادت الغفلة من أصل ؛ قال تعالى : . . . فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( الأنعام : 68 ) ، ولكنه انطفاء عرضي وليس ذاتياً ، فالفطرة لا تموت أبداً ، فإنها من سنن الله التكوينية التي قال فيها تعالى : فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَحْوِيلًا ( فاطر : 43 ) .
نعم ، إنَّ الوضوح والاستفادة والحضور والتأثير مشروط بعدم تحقّق الرين ، والرين بقوّة الموت بالنسبة للفطرة ؛ إذ إنه يُصيب الفطرة بالشلل التامّ والعجز الكامل ، حتى يصير صاحبه مُستهجناً لكلّ فضيلة ونصيحة ، ومُقبلًا على كلّ رذيلة صريحة ، ولا ريب بأنَّ للرين أسبابه الموضوعية أشار إليها القرآن إجمالًا بقوله تعالى : كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ( المطففين : 14 ) ، وبنحو
من التفصيل أسبابه نوع التربية والثقافة والقيم التي يتلقّاها الإنسان ، والوسط الاجتماعي الذي ينشأ فيه ، وسائر التأثيرات الخارجية ، وإلا فالإنسان يُولد على الفطرة ، كما جاء صريحاً في الأخبار « 1 » .
النكتة الثانية : حقيقة الوحدة
ما هو نوع الوحدة المبحوث عنها في المقام ، أوحدة عددية هي أم وحدة حقّة حقيقية ؟
هامش
( 1 ) روى الكليني عن الإمام محمد الباقر عليه السلام أنه قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله : كلّ مولود يولد على الفطرة ، يعني المعرفة بأنَّ الله عز وجل خالقه . . . ) . أُصول الكافي : ج 2 ، ص 12 ، ح 3 . .