تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
إنَّ الدلالة النصّية على التوحيد غير العددي تظهر حين معالجة الإشكالية التي تعترض النصّ للوهلة الأُولى ، وهي كيف اجتمع الظهور والبطون فيه سبحانه وتعالى مع أنهما مُتقابلان ؟ فإذا كان وجوده ظاهراً فكيف أمكن أن يكون باطناً في آنٍ واحد ، وهكذا فيما إذا كان الشيء أوّلًا كيف له أن يكون آخراً في آنٍ واحد ؟ أَوَ ليس المُقابلة مانعة من ذلك ؟ وإذا اجتمعا فيه دون غيره ؟ وما خلفية ذلك كلّه ؟ إنها أسئلة مُتقاربة ومهمّة ، أحدها مفتاح للآخر ، لاسيَّما في إشكالية التقابل ، وهنا يُمكن أن نُقدّم إجابتين ونُرجئ الثالثة ، وهي الإجابة التفصيلية ، حيث يمكن الرجوع فيها إلى دراساتنا الكلامية والفلسفية والعرفانية . أما الأُولى فهي الإجمالية ، وتتلخّص بإطلاقية المطلق ، فكونه مُطلقاً غير مُتناهٍ يعني بالضرورة إذا فرضت أوّلًا وآخراً في الوجود فإنه لا يجتمع إلا في المطلق عن القيود ، وإذا فرضت ظاهراً وباطناً فهو كذلك ، وإلا لا معنى لإطلاقيته وعدم تناهيه . وأما الثانية فشبه تفصيلية ، نستهلُّها بكلمةٍ لأمير المؤمنين علي عليه السلام في خطبة له أوّلها : ( الحمد لله الذي لم يسبق له حالٌ حالًا ، فيكون أوّلًا قبل أن يكون آخراً ، ويكون ظاهراً قبل أن يكون باطناً ، كلّ مسمّى بالوحدة غيره قليل ، . . . وكلّ ظاهر غيره باطن ، وكلّ باطن غيره غير ظاهر ) « 1 » . فقوله : ( لم يسبق له حالٌ حالًا ) أُريد به نفي مطلق الحال والأحوال عنه ، لأنَّ الحالية لازمها وقوع التغيير ، ومن جملة التغيير التبدّل في المواقع بين الظهور والبطون والأوّلية والآخرية ، بمعنى أن يكون موصوفاً بأحدهما قبل الاتّصاف بالآخر ، أي : يكون أوّلًا دون أن يكون آخراً ، ويكون ظاهراً دون أن
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، شرح ابن أبي الحديد : ج 5 ، ص 153 رقم الخطبة : ( 64 ) . .