يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( الزخرف : 86 ) وقوله : وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ( الأنبياء : 28 ) ، أو يعظّمهم ويظهر حبّهم بزيارة قبورهم وتقبيلها والتبرّك بتربتهم بما أنهم آيات الله وشعائره تمسّكاً وعملًا بقوله تعالى : ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ( الحج : 32 ) ، وآية القربى وغير ذلك من الكتاب والسنّة ، فهو في جميع ذلك يبتغي بهم إلى الله الوسيلة ، كما في قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ ( المائدة : 35 ) ، فشرع به ابتغاء الوسيلة ، وجعلهم بما شرع من حبّهم وتعزيرهم وتعظيمهم وسائل إليه ، وعليه فلا مانع من التقرّب إلى الله بحبهم وتعظيم أمرهم وما لذلك من الآثار إذا كان على وجه التوسّل والاستشفاع بهم من غير أن يعطَوا استقلال التأثير والعبادة البتّة .
وأما ثانياً : ففرق بين أن يُعبدَ غيرُ الله رجاءَ أن يَشفَع عند الله أو يقرِّب إلى الله ، وبين أن يعبد الله وحده مع الاستشفاع والتقرّب بهم إليه ، ففي الصورة الأولى إعطاء الاستقلال وإخلاص العبادة لغيره تعالى ، وهو الشرك في العبودية
والعبادة ، وفي الصورة الثانية يتمحّض الاستقلال لله تعالى وتختصّ العبادة به وحده لا شريك له ، وإنما ذمّ الله تعالى المشركين قولهم : ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى ) ، حيث أعطوهم الاستقلال وقصدوهم بالعبادة دون الله سبحانه ، ولو قالوا : إنما نعبد الله وحده ونرجو مع ذلك أن يشفع لنا ملائكته أو رسله وأولياؤه بإذنه ، أو نتوسّل إلى الله بتعظيم شعائره وحبّ أوليائه ، لما كفروا بذلك أبداً ، بل سيكون مثل شركائهم كمثل الكعبة في الإسلام هي وجهة وليست بمعبودة ، وإنما يُعبد الله بالتوجه إليها .
جدير بالذكر أنَّ هنالك من المظاهر العبادية الشبيهة بما أسموها بمظاهر الشرك ، من قبيل استلام الحجر الأسود وتقبيله ، الذي أجمع المسلمون على
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 90
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٩٠