يُمثّل أشرف جملة نطق بها القرآن الكريم ، لأنها تمثّل كلمة التوحيد ، ولا شرف فوق شرف التوحيد ، كما هو واضح .
وصورة النفي الكلّي المُستفاد من الأداة النافية للجنس تستدعي منّا تحديد كون الأداة بصدد تحقيق نفي مطلق الآلهة الموهومة والمتصوّرة في قبال الله تعالى أو أنها بصدد إثبات وجود الله سبحانه ونفي ما عداه من الآلهة ، حيث وقع خلاف في تحديد مدخول النفي .
قال الطباطبائي : ( فقد تبيَّن أن الجملة - أعني قوله : لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ - مسوقة لنفي غير الله من الآلهة الموهومة المتخيَّلة لا لنفي غير الله وإثبات وجود الله سبحانه ، كما توهّمه كثيرون ، ويشهد بذلك أن المقام إنما يحتاج إلى النفي فقط ، ليكون تثبيتاً لوحدته في الألوهية لا الإثبات والنفي معاً . . . ) « 1 » .
فالنصّ بصدد النفي المطلق لجميع الآلهة المُتوهّمة ، لا بصدد نفيها وإثبات الواجب سبحانه ، ولهذا الأمر منشأ قرآني يدلّنا على كون القرآن بنفسه لم يتعرَّض إلى موضوعة إثبات الواجب سبحانه ، وإنما تعاطى معها على أنها أصل
ثابت ومفروغ منه ، قال تعالى : أَفِي الله شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ . . . ( إبراهيم : 10 ) . وقد عبَّر عن هذا الأصل المفروغ منه بأنه فطري ، قال تعالى : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ( الروم : 30 ) .
وفي ذلك يقول الراغب : ( ومنه الفطرة ، وفطر الله الخلق وهو إيجاده الشيء وإبداعه على هيئة مترشّحة لفعل من الأفعال . فقوله : فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ، فإشارة منه تعالى إلى ما فطر أي أبدع وركّز في الناس من معرفته تعالى . . . ) « 2 » .
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 1 ، ص 395 .
( 2 ) مفردات غريب القرآن : ص 382 ، مادّة : ( فطر ) . .