تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
وأما إذا كان البعض يعاني من ضبابية في وضوح هذا المنطق الفطري ، فذلك يعود إلى مُتعلّقات هذه النشأة المادّية ، حيث يُفضي الانغماس في الدنيا إلى التجافي عن النداءات الفطرية ، فيدسّ فطرته في تراب الملذَّات والشكوك الباطلة ، فتُعطّل الفطرة عن أداء وظائفها وتنحسر آثارها ما دام صاحبها أسير الغفلة ، ولو انتبه قليلًا لتحسّس صوت التوحيد والمعرفة الكامن في أصله ونشأته ، بل ستكون له المكنة من تذكّر إقراره السابق على هذه النشأة ، يوم أقرَّ الجميع بربوبية الله تعالى ، وهو قوله تعالى : وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ( الأعراف : 172 ) . والغفلة لا تكون إلا عن أمر مركوز في النفس موجود فيها ، فقد ورد عن ابن مسكان عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام في ذيل هذه الآية أنه قال : معاينة كان هذا ؟ . فقال عليه السلام : ( نعم ، فثبتت المعرفة ونسوا الموقف ، وسيذكرونه ، ولولا ذلك لم يدرِ أحد من خالقه ورازقه . . . ) « 1 » . وهذا التذكّر يحصل بواسطة التخلّص من حاكمية عالم المادّة ، وهو يحصل بأحد الطريقين ، إما بالموت الاضطراري ، وهو ما هو عليه عامّة الناس ، وإما بالموت الاختياري الذي يعتمد كلّياً على طهارة النفس وتزكيتها ، فتشرق الروح لتتلقّى الفيض ، ومنه ما كان عليه العبد في العوالم السابقة . وفي المحاسن عن زرارة قال : ( سألت أبا جعفر الباقر عليه السلام عن قول الله عزَّ وجلّ : فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ، فقال عليه السلام : فطرهم على معرفة أنه ربّهم ، ولولا ذلك لم يعلموا إذا سئلوا من ربُّهم ولا من رازقهم ) « 2 » ، فالفطرة ناطقة بوجود الله تعالى ، وبذلك لا يُحتاج معها إلى أدلّة
هامش
( 1 ) تفسير القمي : ج 1 ، ص 248 . ( 2 ) المحاسن ، البرقي : ج 1 ، ص 241 ، ح 224 ، باب جوامع الكلم . .