نارية ، هي مقرّبة إليه ، فانية فيه ، من الملائكة والجنّ والقدّيسين من البشر المتخلصين من ألواث المادّة ، الفانين في اللاهوت ، الباقين بها . . . وبالجملة كانوا يعبدونهم بعبادة أصنامهم ليقرّبوهم إلى الله زلفى ويشفعوا لهم ؛ بمعنى أن يفيضوا إليهم من الخير الذي يفيض عنهم ، كما في الملائكة . . . ) « 1 » .
من هنا نلمح سرَّ تأكيد الرسالات الإلهية على لسان الأنبياء جميعاً عليهم السلام على نبذ الوثنية ومقاومتها ، والدعوة إلى التوحيد والذبّ عنه ، قال تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ( الأنبياء : 25 ) ، وأيضاً : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ . . . ( آل عمران : 64 ) .
وبهذا نفهم أيضاً سبب عناية الإسلام بحسم مادّة الوثنية وقطع جذورها وتخلية القلوب عن الخواطر الداعية إليها ، وصرف النفوس حتى عن الدوران حولها أو الإشراف عليها ، وهذا هو المشهود في ما ندب إليه من المعارف الأصلية والأخلاق الكريمة والأحكام الشرعية ، فتراه يعدّ الاعتقاد الحقّ : أنه لا إله إلا الله له الأسماء الحسنى ، وأنه المالك لكلّ شيء ، له الوجود الأصيل الذي يستقلّ بذاته ، وهو الغنيّ عن العالمين ، وكلّ ما هو غيره منه يبتدئ وإليه يعود ، وإليه يفتقر في جميع شؤون ذاته حدوثاً وبقاءً ، فمن أسند إلى شيء شيئاً من الاستقلال بالقياس إليه تعالى - لا بالقياس إلى غيره - في شيء من ذاته أو صفاته أو أعماله فهو مشرك بحسبه .
وتراه يأمر بالتوكلّ على الله ، والثقة بالله ، والدخول تحت ولاية الله ، والحبّ في الله ، والبغض في الله ، وإخلاص العمل لله ، وينهى عن الثقة بغير
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 15 ، ص 266 . .