تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
الله ، والركون إلى غيره ، والاطمئنان إلى الأسباب الظاهرة ورجاء من دونه ، والعُجب والكبر ، إلى غير ذلك ممَّا يُوجب إعطاء الاستقلال لغيره والشرك به . وتراه ينهى عن السجدة لغيره تعالى ، كما ينهى عن اتخاذ التماثيل ذوات الظلال وعن تصوير ذوي الأرواح ، وينهى عن طاعة غير الله والإصغاء إليه فيما يأمر وينهى ، إلا ما رجع إلى طاعة الله ، كطاعة الأنبياء وأئمة الدين ، وينهى عن البدعة واتّباعها وعن اتّباع خطوات الشيطان . ولا ريب بأنَّ الأخبار المأثورة عن النبي صلى الله عليه وآله وعن أئمّة أهل البيت عليهم السلام متضافرة في كون الشرك ينقسم إلى جليٍّ وخفيّ ، أو إلى شرك أصغر وشرك أكبر ، وأنَّ الشرك ذو مراتب كثيرة لا يسلم من جميعها إلا المخلصون ، وأنه أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء ، وقد سُئل الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن قوله تعالى : يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ( الشعراء : 89 ) ، فقال عليه السلام : ( القلب السليم : الذي يلقى ربَّه ليس فيه أحد سواه ، قال : وكلّ قلب فيه شرك أو شكّ فهو ساقط ، وإنما أرادوا بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة ) « 1 » . نعم ، هنالك من يُشكل على ما ورد في جملة من الأدعية ، لاسيَّما أدعية الاستشفاع بالنبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام ، ومسألته تعالى بحقّهم ، وزيارة قبورهم وتقبيلها والتبرّك بهم وتعظيم آثارهم ، حيث يعتبر ذلك من مظاهر الشرك المنهيّ عنه ، وهو الشرك الوثني ، أو ما يندرج تحت عنوان الشرك الأكبر « 2 » ، ويحتجّ لذلك بأنَّ هذا النوع من التوجّه العبادي فيه
هامش
( 1 ) أُصول الكافي : ج 2 ، ص 16 ، ح 5 . ( 2 ) تمييزاً له عن الشرك الأصغر المُسمَّى في علم الأخلاق بالرياء ، وهو لا يُوجب الكفر وإنما هو ماحق للأجر ، حيث يُقال للمرائي في يوم القيامة : خذ الأجر ممَّن كنت تعمل له ، / / ولعلّه يفعل أكثر من ذلك ، وأعظم صور الرياء ما يقع من العبد ما يُرائي به في أُصول الدين ، كمن يُظهر توحيده أو متابعته للنبي صلى الله عليه وآله رياءً ، أو كمن يقول رياء : إني لا أتوكّل على أحد سوى الله ، يقول السيد الإمام الخميني : ( اعلم أنَّ الرياء في أصول العقائد والمعارف الإلهية أشدّ من جميع أنواع الرياء عذاباً وأسوأها عاقبة ، وظلمته أعظم وأشد من ظلمات جميع أنواع الرياء ، وصاحب هذا العمل إذا كان في واقعه لا يعتقد بالأمر الذي يظهره ، فهو من المنافقين ، أي أنه مخلَّد في النار ، وأن هلاكه أبديّ ، وعذابه أشدّ العذاب . وأما إذا كان معتقداً بما يظهر ، لكنه يظهر من أجل الحصول على المنزلة والرتبة في قلوب الناس ، فهذا الشخص وإن لم يكن منافقاً إلّا أن رياءه يؤدّي إلى اضمحلال نور الإيمان في قلبه ، ودخول ظلمة الكفر إلى قلبه ) . انظر : الأربعون حديثاً ، للإمام الخميني : ص 46 . .