اجترارات وتخندق ، وفوضى معلوماتية تراكمية دون تنظيم دقيق ، وضبابية في رسم النتائج النهائية ، كما هو الحال في السواد الأعظم من المصنّفات التفسيرية ؛ وبالتالي فإنَّ التعاطي مع المصادر والمصنَّفات التفسيرية في المدرستين معاً لا بدَّ أن ينطلق من إحراز القيمة العلمية لها أوّلًا ، ومدى اعتمادها المناهج الصحيحة والنتائج القريبة من روح النصّ لا من روح المُفسِّر واتجاهه .
بعبارة أُخرى : لابدَّ من إحراز حضور النصِّ القرآني أوّلًا وآخراً في استجلاء معانيه ، لا أن يكون النصّ تابعاً لمقاصد المُفسِّر أو تابعاً لمُستجدَّات العصر ، فملاحظة الواقع ومعطياته أمر في غاية الأهمّية ، ولكنه لا تصل النوبة به بأن يكون حاكماً على النصِّ ومُطوِّعاً له ، فهنالك مصنّفات تفسيرية كثيرة ضجّت بها المكتبات الإسلامية ، ولكنها افتقرت إلى شيء واحد هو كلّ شيء ، وهو النصّ القرآني نفسه ، فهي مصنّفات حضر فيها المُفسّرون وغاب عنها
النصّ ، فكان الجري في أفكار وأجواء المفسِّر أكثر بكثير من الجري في أجواء النصّ ! مع أنَّ الحاكمية في العملية التفسيرية تبدأ بالنصِّ وتنتهي به ؛ وهذا ما لم نجده في جميع المصنَّفات التفسيرية إلا في حدود ضيّقة ، حتى النماذج المعتبرة والتي احتلَّت مساحة كبيرة في النتاج التفسيري ، فإنها هي الأُخرى لم تستطع أن تُغطّي معطيات النصِّ ، بمعنى أن أدواتها كانت تمتدّ وتصل إلى المراد من بعض النصوص وتخفق كثيراً في نصوص أُخرى ، أو أنها تختصر الطريق فتتجاوز النصوص التي تُشكِّل عقبات معرفية أمامها ، رغم اعتقادنا بأنَّ جملة من هؤلاء المُفسِّرين مثّلوا محطّات مهمّة في العملية التفسيرية ، بل ومن روَّاد العملية التفسيرية ، لاسيَّما المعاصرين منهم الذين يُشار إليهم بالبنان « 1 » .
هامش
( 1 ) لعلّ مراد السيد الأُستاذ ( دام ظله ) من المعاصرين هم العلامة الطباطبائي صاحب / / الميزان ، والعلامة الآلوسي صاحب روح المعاني ، وأما من المتقدّمين - بنكتة ذكر المعاصرين - فلعلّه يُريد الفخر الرازي صاحب مفاتيح الغيب ، والطبري صاحب جامع البيان في تأويل القرآن ، والبيضاوي صاحب أنوار التنزيل وأسرار التأويل ؛ فالطباطبائي مثلًا ترك نصوصاً قرآنية كثيرة بلا تفسير ، ففي سورة البقرة تُركت أكثر من خمسين آية بلا تفسير ، مع أنها تتضمّن مطالب عميقة ومهمّة ، في حين إنه قدّس سرّه قد أفرد بحوثاً مستقلّة لآية واحدة وربما جزء آية . .