وقد تقدَّمت منّا إشارات كثيرة لتجلية الفرق بين المراد من كلامه سبحانه وبين المراد من كلماته ، فالكلمة لها منظوران ، الأوّل مجاله البحث اللغوي في
دائرة الوجود اللفظي للقرآن الكريم ، والثاني تُراعى فيه خصوصية اللفظ القرآني ، لِما ثبت لدينا بأنَّ لغة القرآن فوق مستوى اللغة العربية ، وإن كانت العربية تمثّل مادته الأُولى ؛ وأمّا كلامه فله منظوران أيضاً ، الأوّل : يُعنى بالبحث عن مضامين الجُمل والآيات والسور ، والثاني : يُعنى بالمضامين المشتركة في وحدة موضوع واحد ، وإن كانت منتشرة بين دفّتي الكتاب .
وقد كان من منهجتنا التفسيرية الفصل بين الأهداف الأساسية أو الرئيسية للقرآن والأهداف الفرعية ، وعلاقة ذلك بطبيعة بعض النصوص دون غيرها ، والتي أسمينا بعضاً منها بالمحاور وأُخرى بالأوتاد ، كما تقدَّم .
ومن منهجة دراستنا هذه أيضاً أنها قسَّمت البحوث التمهيدية إلى بحوث بيانية وبحوث تبيينية ، كمقدّمة أساسية للدخول في بيانات المفردة القرآنية وبيان مساحاتها وعمقها ، وقد سجَّلنا في منهجتنا الجديدة في العملية التفسيرية امتيازات معطيات القراءة القرآنية للإنسان والأمّة عن سائر القراءات الأخرى ، لِما عرفت من كون القراءة القرآنية للإنسان والأمّة تحمل في رحمها بيانات تغلق أبواب الجهل وتردم نتوءات الانحراف المعرفي والسلوكي ، بل هي المنطلق الحقيقي لكلّ كمال تأصيلي ، تدعم الإنسان بثوابت الإصلاح الجوهري في قوله وفعله على المستويين الظاهري والباطني ، ودون الاعتقاد بذلك فإنَّ العملية التفسيرية سوف تخلو من أهدافها الحقيقية الكامنة في الوصول إلى معرفة الله تعالى ، وانتشال الإنسان وإخراجه من الظلمات إلى النور ، وتوطيد العلاقة بين المخاطِب والمخاطَب .
من هنا كان إصرارنا المتواصل على لا بدّية تحقّق الانسجام بين المنهج المُتَّبع في العملية التفسيرية وبين الأهداف القرآنية العليا التي ينبغي الوصول
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 455
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٤٥٥