التوحيد في الربوبية ؛ وقد ورد في ذلك عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام
: ( العبودية جوهرة كنهها الربوبية . فما فُقد من العبودية وُجد في الربوبية ، وما خفى في الربوبية أُصيب في العبودية . . . ) « 1 » .
قوله تعالى : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ
الصور الباطنية للكرسي
ها هنا أمران ينبغي الجمع بينهما للخروج بنتائج تأويلية في غاية الدقَّة والأهمِّية ، أما الأوّل : فقد مرَّت بنا جملة بيانات تتعلَّق بالخزائنية التكوينية لعالم الإمكان بأسره ، والمُشار إليها بقوله تعالى : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ( الحجر : 21 ) ، وأنَّ هذه الخزائنية هي مُستودع الحقائق من جهة ، وهي أرضية التأويل من جهة أُخرى ، فتكون المُحصِّلة : ما من شيء إلا وعندنا حقيقته وتأويله ، بمعنى وجهه وصورته الباطنية الحقَّة .
والثاني : قلنا بأنَّ الكلمة الوجودية : كرسيُّه ضاربة في أزلية العلم ، وأن الكرسي مظهر اللوح ، وأنَّ الأشياء جميعاً فيه مصوَّرة بوجه تفصيلي ؛ فتكون الهيمنة التي يلقي بظلّها معنى الكرسي هو الإحاطة بالتفاصيل .
وبذلك نتحصَّل على النتيجة المهمَّة والدقيقة ، وهي أنَّ خزائنه مودعة في كرسيّه ، بل هي الكرسي ، فالخزائن الجامعة للتفاصيل حقيقة وتكويناً قد أُحيط بها بالكرسيّ ، لأنه قد : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ، وبالتالي فإنَّ الصورة الباطنية للكرسي هي عين الخزائنية ، وتكون الخزائنية والكرسي أحدهما مُفسِّراً للآخر .
قال ابن عربي : ( ما من شيء أوجده الله في العالم الذي لا أكمل منه في الإمكان إلا وله أمثال في خزائن الجود ، وهذه الخزائن في كرسيّه ، وهذه
هامش
( 1 ) تفسير نور الثقلين ، للشيخ الحويزي : ج 4 ، ص 556 ، ح 77 . .