تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 408

مساهمون:

ص٤٠٨
الإحاطي ؛ وهذا العلم الإحاطي - ولو بجزئية صغيرة - لا يكون إلا بمشيئة منه سبحانه . والخامسة : أنَّ الإحاطية تكشف لنا عن كون العلم حضورياً وليس حصولياً ، فإنَّ الحصولي - ولو كان بشيء صغير - لا يكون إحاطياً ، لأنَّ حقيقة ذلك الشيء تبقى غير معلومة ، والمعرفة الظاهرية لا يصدق عليها عنوان الإحاطة إلا تجوُّزاً . والسادسة : أنَّ طلب العلم حاجة مُلحَّة ، وعدم الاستغناء عنه وهو مُفاض من قبله تعالى ، يُدلِّل على فقرية المفاض عليه ، وهذه الفقرية ليست أمراً عارضاً عليه ، وإنما ذاتية عينية ، وشاهدها في المقام دون التوقّف على المشيئة الإلهية . وأما باطنية الفقر الإمكاني ، فإنَّ واقعيته ومقتضاه هو السير باتجاه الغني ، بمعنى أنَّ الفقر على ما يُمثّله من سلبٍ للكمال ، إلا أنه بمقتضى حركيته باتجاه الغني المطلق يكون كمالًا ، وما دامت الفقرية ثابتة غير قابلة للزوال فالسير باتجاه الغنى المطلق والكمال المطلق باقٍ إلى الأبد ، فهو ضمانة ديمومة تحصيل الكمال ، وبهذا المنظار يكون كمالًا . ففرض رفع الفقرية عن الممكن فضلًا عن مُحاليته وعن كونه مُوجباً للقول بتعدّد الواجب ، وهو محال عقلًا ونقلًا ، فإنه قاضٍ على تحصيل الكمال ، فالفقرية موجبة للكمال وصمَّام أمان للسير باتجاه ذلك ، بل إنَّ بطانتها الحقيقية الإقرار بوجود الغنيِّ المطلق والتعلّق به . ثمَّ إنَّ الكمال الذي يسير الممكن بفقرية باتجاهه قد عُبِّر عنه بالعلم الإلهي ، بمقتضى فقرة البحث ، والإحاطة به تعني التحقّق بذلك اليسير من علمه تعالى ، وهذا التحقُّق موقوف على إذن منه تعالى ، وإذنه بالإحاطة التحقّقية الشهودية لا التحقيقية البرهانية موقوف أوّلًا وبالذات على الإقرار بالعبودية المطلقة لله تعالى ، بمعنى آخر : الإقرار بالفقرية المطلقة ، المنتهي إلى الكشف عن