الأعلائي يقتضي مجموعة خصائص ومميزات في شخصية الشفيع ؛ بمعنى أنَّ الشفاعة تحتاج من يُسانخها في الكمال ، وبالتالي فقصور البعض عن أداء هذا الدور كاشف إنِّي عن قصور كمال الشفيع ، أو قل بأنَّ الإذن الإلهي هو الآخر مقرون
بالمستوى الكمالي الذي عليه الشفيع ، وأما الخصائص والصفات فإنَّ أرفعها شأناً تحقّق معرفة الله تعالى وتوحيده بالمعنى العرفاني لا الكلامي ، فأرضية الشفاعة ليست الصور الذهنية للمعارف الإلهية ، وإنما حقيقتها التحقّق ليكون الشفيع مجلى لكمالات الشفيع الحقيقي ، وهو الله تعالى ؛ وبالتالي فإنَّ الشفاعة آخذة في التعقيد كلَّما اتسع دور الشفيع .
ومن الخصائص الأُخرى للشفيع درايته وإحاطته المعرفية بالمُشفَّع له ، فليس للشفيع أن يقوم بهذا الدور وهو جاهل بهوية المُشفَّع له ، وإلا سوف تُردّ شفاعته ، مع أنَّ الشفيع الحقيقي ، وإن كانت شفاعته مقرونة بإذن الشفاعة والقبول معاً ، إلا أنها عادة ما تكون مقبولة ، وهذا الأمر لا يكون إلا بعد الفراغ من تحقّق معرفتهم بالمُشفَّع له ، وهذه المعرفة تكاد أن تكون قدراً مُتيقَّناً ، لأنَّ الشفعاء الذين نتحدَّث عنهم عارفون بالله تعالى ، وقد ورد في الحديث عن أمير المؤمنين علي عليه السلام
: ( من عرف نفسه فقد عرف ربّه ) « 1 »
) ، ومن عرف ربّه كان لغيره أعرف ، لأنّه يعرف ذلك بتوسّط علم ربّه جلّت قدرته ، ولذا فقد ورد في ذلك عن أمير المؤمنين علي عليه السلام قوله :
( من عرف نفسه كان لغيره أعرف ، ومن جهل نفسه كان بغيره أجهل ) « 2 » ؛
فتكون معرفة الشفيع بالمُشفَّع له تحصيل حاصل لأصل معرفته بربّه .
وأما الخصيصة الأخيرة التي نودُّ الوقوف عندها فإنها تتعلَّق بأصل
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، شرح ابن أبي الحديد : ج 20 ، ص 292 ، رقم : 339 .
( 2 ) ميزان الحكمة : ج 3 ، ص 1881 . .