وهنا نحتاج أن نبحث في جملة أُمور تنمُّ لنا عن أسرار دقيقة للشفاعة ، تتعلِّق بأصل نشأتها واختصاصها والقائم بها ، وعلاقة ذلك بالمراتب المعرفية
والإيمانية التي عليها الشفيع والمُشفَّع له ؛ وأخيراً حدود الشفاعة المأذون بها وعلاقة ذلك بالتوحيد .
أما نشأة الشفاعة ، فإنها تندرج ضمن النظام الكوني القائم على أساس التكامل ، وبالتالي فإنها ليست عملية ثانوية أو علاجية ، كما هو ظاهر التصوّرات الساذجة عنها ، حيث أراد البعض أن يجعلها مفتاحاً لحلِّ أزمات أو مُعوِّقات يقع فيها الإنسان ، والحال أنَّ هذا الأمر لا يُمثّل أكثر من زوايا جانبية للشفاعة ، فالشفاعة حلقة وجودية تكوينية أساسية في نظم عالم الإمكان ، لاسيَّما وأنها مقرونة بالله تعالى ابتداءً ، وتثبت لبعض خواصّه بالمظهرية والتجلِّي ، فهي وظيفة إلهية خالصة ، وهذا الأمر لا ينسجم مع تصويرها بنحو من الدور الثانوي في نظم الوجود ، فالقرآن الكريم شفيع لنا بإيصالنا إلى كمالات يستحيل الوصول إليها بدونه ، والوليّ المعصوم شفيع للإنسان بإنقاذه وإيصاله إلى كماله المطلوب ؛ وهذا هو الدور الأساسي للقرآن والمعصوم معاً ، فكيف يُتصوَّر في حقِّهما ثانوية الدور الكمالي ؛ ولذلك كنا ولا زلنا نُؤكِّد كثيراً على كينونة الشفاعة في الدنيا قبل الآخرة ، بخلاف النظرة الساذجة التي حاولت أن تختصر مساحة الشفاعة في الدار الآخرة ، بل إنَّ مساحتها والحاجة إليها في الحياة الدنيا أوسع بكثير من مساحتها في الدار الآخرة ، فإنَّ الإنسان منذ أن يُوجد في هذا العالم تُولد معه الحاجة للشفاعة ، وتستمرّ معه حتى آخر لحظة من حياته ؛ بخلاف الشفاعة الأُخروية ، فإنها أضيق دائرة ، وإنَّ الحاجة إليها تفرزها مواقف معيّنة .
وأما اختصاصها والقائم بها ، فإنها وظيفة كبروية في نظم الوجود الإمكاني وحفظه من خلال إيصاله إلى كماله ضمن حركة نوعية ، وهذا الدور
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 403
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٤٠٣