تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
ببسط منه مُمتدٍّ من العليّ القدير ، فكان هو اللوح الذي سطَّر على صفحاته قلم الوجود تفاصيل ما يكون إلى الأبد ، أو كما قيل : بأنَّ العرش مظهر القلم ، والأشياء مصوَّرة فيه بوجه إجمالي ، وأما الكرسي فمظهر اللوح ، والأشياء فيه مصوَّرة بوجه تفصيلي « 1 » ؛ أو هو النفس الكلّية الجامعة المسمّاة باللوح « 2 » ؛ فتكون الهيمنة التي يلقي بظلّها معنى الكرسي هو الإحاطة بالتفاصيل ، وهذا المعنى الدقيق لهذه الكلمة الوجودية موافق تماماً لقوله تعالى : ( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ) ، فالسعة - كما عرفت - ليست زمكانية ، وإنما هي سعة علمية معرفية وجودية ؛ فتدبَّر .

الكلمة الوجودية : ( الطَّاغُوت )

بنكتة إخراجه لمواليه من النور إلى الظلمات يكون انتماؤه الحقيقي إلى الظلمات عيناً ، بمعنى أنَّ الطاغوتية تكشف عن كون صاحبها لم تعرض عليه الظلمة بقدر ما هو عين لها ؛ من قبيل النجاسات المنقسمة إلى ذاتية عينية غير قابلة للتطهير ، وإلى عرضية غير عينية قابلة للتطهير ، ولذلك نجد هؤلاء الأعيان الظلمانية النجسة عندما دخلوا الإسلام توغَّلوا في ظلمانيتهم فصاروا مُنافقين ؛ فالطاغوت ليس جهة يصدر منها الظلم أو مُنتمية للظلمة ، وإنما هو الظلم والظلمة ، فيكون الصدور الذاتي لآثار الطواغيت المُسانخة لحقائقهم ضرورياً بالنسبة لهم ، أو كما قيل في الفلسفة بأنَّ الذاتي لا يُعلَّل ، لأنه ذاتي « 3 » .
هامش
( 1 ) القول للميرزا هاشم الأشكوري . انظر : مصباح الأُنس ( شرح مفتاح الغيب ) ، شمس الدين محمد بن حمزة الفناري : ص 294 ، الهامش الثاني . ( 2 ) انظر : المصدر السابق : ص 57 . والكلمة لصدر الدين القنوي صاحب مفتاح الغيب ، الذي جعل الرحيمية سرَّ روح الكرسي ، كما جعل الرحمانية سرَّ روح العرش . ( 3 ) قال الآشتياني : ( إنَّ ما ذكره الحكماء من عدم معلليته ، معناه أنه لا يعلّل بعلّة غير الماهية وعلّتها ، لا أنه غير معلّل أصلًا ، وإلّا لزم أن يكون واجباً بالذات . . . فقولهم - : عُرِّف / / الذاتي بما لا يُعلَّل ، أيّ : لا يُعلَّل بعلّة غير علَّة الماهية ، أو لا يُمكن أن يُجعل بالجعل التركيبي ، وأنَّ اتّصاف الماهية به في رتبة سابقة غنيّ عن السبب ، وإن كان في رتبة الجعل البسيط مجعولًا . . . ) . انظر : تعليقة على شرح المنظومة للسبزواري ، للميرزا مهدي مدرس آشتياني : ص 168 - 169 . ولتوضيح المسألة يُراجع كتاب : دروس في الحكمة المتعالية ( شرح كتاب بداية الحكمة للعلامة الطباطبائي ) ، تأليف السيد العلامة كمال الحيدري : ج 1 ، ص 510 - 510 . .