تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
6 . وأخيراً ابن تيمية الذي يرى ضرورة معرفة جميع معاني القرآن ، ويُخطِّئ القائلين بانحصار علم التأويل بالله تعالى ، حيث يقول : ( لا يجوز أن يكون الله أنزل كلامًا لا معنى له ، ولا يجوز أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم وجميع الأمّة لا يعلمون معناه ، كما يقول ذلك من يقوله من المتأخّرين ، وهذا القول يجب القطع بأنه خطأ ، سواء كان مع هذا تأويل القرآن لا يعلمه الراسخون ، أو كان للتأويل معنيان : يعلمون أحدهما ، ولا يعلمون الآخر ، وإذا دار الأمر بين القول بأنَّ الرسول كان لا يعلم معنى المتشابه من القرآن وبين أن يقال : الراسخون في العلم يعلمون ؛ كان هذا الإثبات خيراً من ذلك النفي ، فإنَّ معنى الدلائل الكثيرة من الكتاب والسنّة وأقوال السلف على أن جميع القرآن مما يمكن علمه وفهمه وتدبره ، وهذا مما يجب القطع به ، وليس معناه قاطع على أنَّ الراسخين في العلم لا يعلمون تفسير المتشابه ، فإنَّ السلف قد قال كثير منهم : إنهم يعلمون تأويله ، منهم مجاهد - مع جلالة قدره - والربيع بن أنس ، ومحمد بن جعفر بن الزبير ، ونقلوا ذلك عن ابن عباس ، وأنه قال : أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله . . . ولأنه لو كان المراد مجرّد الوصف بالإيمان لم يخصّ الراسخين ، بل قال : والمؤمنون يقولون : آمنا به ؛ فإنَّ كلّ مؤمن يجب عليه أن يؤمن به ، فلمَّا خصَّ الراسخين في العلم بالذكر علم أنهم امتازوا بعلم تأويله ، فعلموه لأنهم عالمون ، وآمنوا به لأنهم يؤمنون ، وكان إيمانهم به مع العلم أكمل في الوصف ، وقد قال عقيب ذلك : وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُواْ الألْباب ، وهذا يدلّ على أنَّ هنا تذكراً يختصُّ به أولو الألباب ، فإن كان ما ثمَّ إلا الإيمان بألفاظ فلا يذكر لما يدلّهم على ما أريد بالمتشابه ؛ ونظير هذا قوله في الآية الأخرى : لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ، فلمَّا وصفهم بالرسوخ في العلم وأنهم يؤمنون ، قرن بهم المؤمنين ، فلو أريد هنا مجرّد الإيمان لقال : والراسخون في العلم