انعكس لنا بصورة الحكاية عنه ، ولو تُركت الحكاية دون توضيح من الخضر لعسر علينا توجيه أفعاله كما عسر على موسى عليه السلام نفسه ، فأخبره بتأويل
ذلك كلِّه بالمحكي عن قوله : أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ . . . وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ . . . وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ . . . وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً ( الكهف : 79 - 82 ) ، فكان الوجه الآخر غير المعلوم من أفعاله قد أسماه تأويلًا ، ورغم أنَّ الحادثة تُمثّل واقعة خارجية إلا أنَّ تأويلها جاء بعد وقوعها ، فلا تكون بالمعنى الذي تبنَّاه البعض بالإخبار عن حادثة ستقع ، لأنه أخبر وأوَّلَ حادثةً قد وقعت ، وبعبارة أُخرى : إنها ليست كرؤية يُوسف عليه السلام ليصدق عليها تأويل الأحاديث ، إنما هي نصوص ظهرت على لسان الخضر لم يلتفت موسى إلى معناها ، إما لكونه مأموراً بالعمل طبقاً للظاهر ، وإما من باب القاعدة القرآنية القائلة : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ( يوسف : 76 ) .
الثالث عشر : إنَّ الكثير من أعلام مدرسة الخلفاء قائلون بالعطف ، منهم :
1 . الراغب الأصفهاني في مقدّمة جامع التفاسير ، حيث يقول : ( ذهب عامّة المتكلمين إلى أنَّ كلّ القرآن يجب أن يكون معلوماً وإلا لأدّى إلى إبطال فائدة الانتفاع به وحملوا قوله : والرَّاسِخُونَ بالعطف على قوله إِلَّا الله ، وقوله : يَقُولُونَ جملة حالية ) « 1 » .
2 . مجاهد في تفسير الآية ، حيث يقول : ( يعلمونه ويقولون آمنّا به ، ولو لم يكن للراسخين في العلم حظّ من المتشابه إلا أن يقولوا آمنّا لم يكن لهم فضل على الجاهل ، لأنَّ الكلّ قائلون ذلك ، ونحن لم نر المفسّرين إلى هذه الغاية توقّفوا عن شيء من القرآن فقالوا هو متشابه لا يعلمه إلا الله ، بل أمرّوه على
هامش
( 1 ) نقلًا عن البرهان في علوم القرآن : ج 2 ص 74 . .