الزيغ عندما يُؤوِّلونه بأهوائهم لا يقتصر ذلك عليهم وإنما سوف تتلقّفه عامّة الناس وهو من غير الراسخين في الأمّة فيكون ذلك سبباً في إضلالهم ، وإذا ما أرد
الراسخون في العلم أن يهدوهم ويُبيِّنوا لهم وجه الحقِّ ، فما الذي سيقولونه لهم ؟ هل سيخبرونهم بأنهم لا يعلمون شيئاً ؟ وهل إخبارهم بذلك يكون حجّة مقبولة ورادعة ؟
تصوَّروا أن يأتي صحابيٌّ للنبي صلى الله عليه وآله وقد سمع أهل الزيغ يُؤوِّلون مُتشابه القرآن بأهوائهم فيقول : هل صحيح أنَّ معنى الآية الفلانية هو كذا ؟ فيُجيبه النبي صلى الله عليه وآله الذي أُمرنا القرآن بالرجوع له في المُلمَّات قائلًا : لا علم لديّ ! ! ! .
وهذا ما التفت له العلامة الزركشي ، حيث يقول : ( ومنهم من رجّح أنها للعطف لأنَّ الله تعالى لم يُكلِّف الخلق بما لا يعلمون وضعف الأول - أي : القول بالوقف - لأنَّ الله لم ينزل شيئاً من القرآن إلا لينتفع به عباده ، ويدلّ به على معنى أراده ، فلو كان المتشابه لا يعلمه غير الله للزمنا ولا يسوغ لأحد أن يقول : إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعلم المتشابه . . . ) « 1 » .
سابعاً : ما معنى قول الراسخين في العلم
: ( آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ) ؟
هل يقولون ذلك عن جهل ؟ بمعنى أنهم آمنوا بشيء لا يفهمون منه شيئاً ، وما هذا الذي ينسبونه إلى ربِّهم وهم ولا يعلمونه ؟
فلم يبق إلا يكون تعبيرهم بالإيمان هو أنهم مؤمنون بأنه لا يعلم تأويله ذاتاً إلا الله تعالى ، وأنهم بدون تعليمه تعالى لهم ليس لهم إلا أن يُسلِّموا بذلك ؛ مع أنَّ قولهم : ( آمَنَّا بِهِ ) فيه إشارة واضحة إلى أنَّ مرادهم هو أنهم آمنوا بما تعلموه من تأويل القرآن من الله تعالى ؛ وأنَّ مرادهم من قولهم :
( كُلٌّ مِّنْ عِندِ
هامش
( 1 ) البرهان في علوم القرآن : ج 2 ص 72 . .