رابعاً : العيش مع روح القرآن ، والعمل على فهمه والعمل به ، يجعلان
طالب معانيه الباطنية على مقربة منها ، وهذا الأمر وإن كان لا ينفصل عن التقوى إلا أنه أمر آخر غيرها ، ربما يُطلق عليه بالتوفيقات الإلهية والعنايات الربانية ، ولكننا نراه شيئاً آخر لا يبتعد كثيراً عن مضامين العناية والتوفيق ، وهو ثمرة البحث والتحقيق العلمي ، فإنَّ الله سبحانه وتعالى كما وُصِفَ بقوله : قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شيْءٍ خَلْقَهُ ثمَّ هَدَى ( طه : 50 ) ، الذي يترشَّح منه الكثير ، ومنه أنَّ من دأب على التحقيق والتحصيل ، وكان له مقصد معرفي فإنه يُؤتاه ، حتى وإن لم يكن صالحاً تقيّاً ، فإنَّ كرامة العلم أوسع دائرة من ذلك ، والمُعطي أكثر انفتاحاً من تصويرات عقولنا الضيّقة التي تُحدِّد عطاياه بتقديرات منّا لا بتقديرات منه ؛ قال تعالى : كُلًّا نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُوراً ( الإسراء : 20 ) .
يقول الطباطبائي قدّس سرّه في ذيل الآية السابقة : ( فبيَّن أنَّ من شأنه وأمره تعالى أن يهدي كلّ شيء إلى ما يتمّ به خلقه ، ومن تمام خلقة الإنسان أن يهتدي إلى كمال وجوده في الدنيا والآخرة ، وقد قال تعالى أيضا : كُلًّا نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُوراً ، وهذه الآية تفيد أنَّ شأنه تعالى هو الإمداد بالعطاء ، يمدّ كلّ من يحتاج إلى إمداده في طريق حياته ووجوده ، ويعطيه ما يستحقّه ، وأنَّ عطاءه غير محظور ، ولا ممنوع من قبله تعالى ، إلا أن يمتنع ممتنع بسوء حظّ نفسه ، من قبل نفسه ، لا من قبله تعالى ) « 1 » .
إذن فمن بحث وحقَّق في أمر ، وإن كان باطنياً ، يُؤتَه بقدره لا بقدر الواهب سبحانه ، فإنَّ فيضه وإمداده فوق مستوى الحدود والتقييد فضلًا عن المنع والشحّ في ذلك ، فمن كان قصده معنى ما وبذل جهده ولم تكن هنالك
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 2 ، ص 130 . .