وصفها بالحصول لا يُعدّ قُصوراً فحسب وإنما يُشكِّل معوّقات حقيقية في موضوعة التوحيد ، فيكون السكوت فيها وعنها هو الوظيفة الشرعية حتى تتوفَّر للباحث وسيلة الانجلاء بالتجلِّي والكشف لا غير ، ولا ريب بأنَّ أصحاب الفنّ والصنعة يُدركون ما نرمي إليه ، ويعرفون جدّاً مستوى الحرج اللغوي الذي يُواجهنا ونحن بصدد التوصيف الأوّلي فكيف بتصوير صور تمسّ قراءتنا لوقائع النصّ في مستواه التأويلي .
وعلى أيِّ حال ، فإنَّ مهمّة البحث لم تنصبّ على استجلاء المعاني الباطنية إلا بالقدر المُتاح ، والذي يُمكن التعبير عنه وإيصاله ، بمعنى أننا لا نجد أنفسنا مُكلَّفين بالكشف عن خزائنية آية الكرسي ، فذلك أمر على فرض حصوله من غير الوليَّ المعصوم فإنه لا يُمكن ادّعاؤه بأيِّ شكل من الأشكال لغياب الأدوات الإثباتية تماماً ، وأما مسألة العلم والأعلمية والوثاقة وما شابه ذلك فإنها لا تصلح أن تكون أدوات إثباتية البتّة ، بل إنها تقتضي عدم ادّعاء ذلك ؛ وأما من كانت له صلة بالوليَّ الأعظم « 1 » ، وهو أمر غير مُستبعد من العلماء الصالحين ، فإنه هو الآخر لا يمنح الواقف على المعاني الباطنية التأويلية نسبتها إليه عليه السلام ، فضلًا عن نسبتها لنفسه ؛ ولذلك عُدَّ الكثير من الإدِّعاءات في هذا المجال مجرّد شطحات تكشف عن خلل في سلوك صاحبها ، أو عن عدم رعاية لرسوم المقام ، والتي نادراً ما تصدر من المُحقِّقين « 2 » .
إذن فمن جهةٍ نجد أنفسنا نقف إزاء مستويات ثلاثة لأرضية التأويل ،
هامش
( 1 ) والذي نعتقده في عصورنا هذه هو الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت الحجّة المُنتظر بن الإمام الحسن العسكري عليهما السلام ، الموعود بإملاء الأرض قسطاً وعدلًا كما مُلئت ظلماً وجوراً ، والذي يكون من عدله رفع الجور عن العقل والقلب الإنساني ، وإيقافه على الحقائق الوجودية والمعاني الخزائنية . منه ( دام ظله ) .
( 2 ) انظر : رسائل ابن عربي : ص 408 . .