نوعاً من الثبوت ، مبهماً غير مقدّر ، وإن لم نستطع أن نُحيط بكيفيّة ثبوتها ) « 1 » .
وهذا ما يترتَّب عليه أنّ هذه الخزائن الغيبية الإلهية بعضها فوق بعض ، فكلّ ما هو عالٍ منها غير محدود بحدّ ما هو دانٍ .
وبعبارة حكمية : إنَّ تلك المراتب تنتظم حسب قاعدة العلّة والمعلول ، بحيث تكون المرتبة الدانية مقيّدة بقيد عدمي فاقدة لكمال ما ، على حين ليست المرتبة العالية التي علّتها مقيّدة بالقيد نفسه ، وإلّا لما كانت علّة والمرتبة الدانية معلولًا .
وهذا كلّه إنما يُمثّل الترجمة الفعلية للمستوى البياني الأوّل الذي يترشَّح من قوله تعالى : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ( الحجر : 21 ) ، والمستوى الثاني له المُتعلِّق بمراتب التجلِّي للحقائق المُنعكسة أو المنبسطة على الخلائق أجمعين . فالرحمة عرضياً المُنبسطة على الإنسان بوجوده النوعي غير الرحمة المُنبسطة على الحيوان ، والرحمة المُنبسطة عليهما غيرها في النبات ، وهي غيرها في الجماد ، وهكذا الحال في الرحمة المُنبسطة طولياً في أفراد الإنسان ، فهي في أهل العصمة منهم غيرها في غير أهل العصمة ، وهي في الصالحين غيرها في سائر المؤمنين ، وفي سائر المؤمنين غيرها في غير المؤمنين ، وفي غير المؤمنين من غير المعاندين هي غيرها في المعاندين ، وهكذا .
وأما الخزائنية في مستواها الثالث المُترشِّح من الآية ، وهو الأعقد تصوّراً وتصويراً « 2 » ، فإنه يتعلَّق بالولي الأعظم المُعبَّر عنه بقطب الرحى ، أو قل هو
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 7 ، ص 125 .
( 2 ) ينبغي أن يُعلم بأنَّ ما سنطرحه في المقام تُطلب حقائقه في الجانب الإشراقي ، وما هذه المطالب إلّا محاولات تقريبية ، فمسائل موضوعة التأويل أعمق من مجالها النظري وأُفقها التصوِّري ، بل إنَّ النظري منها ليس إلا حلقة يسيرة في أُفقها المعرفي ، وقد نبَّه القرآن الكريم على محدودية الإطّلاع المعرفي في بعده المعنوي والتأويلي بقوله تعالى : . . . وَمَا / / يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ . . . . آل عمران : 7 . ولذلك فما ذكرناه في المستوى الثالث من كونه الأعقد تصوّراً لنا وتصويراً للآخرين يُمثّل قضية واقعية حقيقية لا يُمكن التنصّل عنها . منه ( دام ظله ) . .