أيضاً ، رغم أنَّ لشخصه نهاية معلومة ، وهي الموت الحتمي ؛ أما من علم منتهى ما هو فيه من طلب علم أو جمع مال أو مرض عضال أو ما شابه ذلك فلا يُقال عنه ذلك .
إذا أمكن اعتماد هذه الضابطة فإنَّ المُنعَّم والمُعذَّب في البرزخ خالدان فيه ما داما لم يعلما نهاية برزخهما ، واللابثون في النار أحقاباً خالدون في النار أيضاً ، ما داموا لم يعلموا نهاية لبْثهم ، وهكذا ، فكلّ شيء لم تُعلم نهايته يصحّ إطلاق الخلود عليه ؛ وهذا الخلود الذي نعنيه هو الخلود بمعية مُقايسات الإنسان ، لا بمعية المقايسات الإلهية ، فنحن نرى الخلود حاضراً حتى في أطلال الحضارات ومخلَّفاتها الأثرية ، رغم أنها في واقعها شاهد صدق على زوالها . إنها المقايسات التي في ضوئها يكون الشرّ والألم وما شابه ذلك ، وحيث إنَّ الإنسان عادة لا يتعاطى مع المقايسات الإلهية لطبيعته المادّية المحكومة بالمقايسات البشرية ، فإنَّ صور الخلود سوف تكون حاضرة لديه من خلال مصاديق عديدة . فإذا ما قرأ قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( البقرة : 82 ) ، وقوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( البقرة : 39 ) ، سيكون حاضراً لديه معنى الخلود ولو بعنوان المقايسة البشرية ، وهذا يعني أنَّ معنى الخلود لا يتوقَّف تصوّره على تصوّره بالمقايسات الإلهية ، ولعلّ هذه المقايسة البشرية تُعطي عمقاً جديداً من المسؤولية تجاه أعمالنا الشرعية ، وعمقاً جديداً في المُبالغة في معنى الحجية على الإنسان في السير على الجادّة وتوخِّي الحذر من الزلل .
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 342
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٤٢