قال الطباطبائي : ( إنَّ العذاب هو الأصل القريب من الإنسان ، وإنما يصرف عنه الإيمان والتقوى ، كما يشير إليه قوله تعالى : وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً ) « 1 » .
ولكنَّ هذا لا يعني انطفاء الفطرة فيهم وانزوائها عنهم ، بل هو دليل على حيويّتها وديمومتها ، وإلا لَما شعروا بالعذاب ولا طلبوا الخروج من النار ، فإنَّ الفطرة الأصلية الإنسانية التي تُواجه وحدها بصورة واقعية عذابات النار لا تبطل فيهم ولا تنتفي ، وإلا لبطل العذاب نفسه ، ولامتنع طلبهم الخروج منها .
هذا فيما يتعلَّق بالعرض الدنيوي ، وأما في العرض الأُخروي ، وهو الملحوظ ابتداءً في موضوعة الخلود الواردة في الآية وسائر الآيات الأُخرى ذات الصلة ، فإنَّ فيه مستويات أيضاً ، وهنا نحتاج أن نُؤسِّس لضابطة في معنى الخلود تنفعنا في العرضين معاً ، الدنيوي والأُخروي ، كما سيتّضح .
ضابطة الخلود
إنَّ الخلود إذا لُوحظ بما هو حقيقة خارجية واقعية بعيدة عن مُقايسات الإنسان فإنه لا يُتصوَّر فيه إلا معنى واحد ، وهو المكوث في شيء دون الخروج منه أبداً ، وقد تقدَّم ذلك ؛ وأما إذا تعاطينا مع موضوعة الخلود بمعية مُقايسات الإنسان فالأمر يختلف تماماً ، وهذا ما ينبغي توضيحه .
كلّ أمر لم يُعرف له نهاية ، وإن كان محدوداً في نفسه ، فإنه من الممكن وصمه بصفة الخلود ، فطلب العلم - مثلًا - إذا لم تُعرف له نهاية ، فمن الممكن إطلاق صفة الخلود على تحصيله ؛ وطالب المال الذي لا يعرف نهاية لطلبه هو خالد في تجميعه ، واليائس من شفائه ولا يعرف نهاية لمرضه خالد في مرضه
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 5 ، ص 329 . والآيتان هما : مريم : 71 - 72 . .