، سواء كان ذلك الشيء جنةً وكمالًا أم ناراً ونقصاً ، فالخلود هو الكمون والكينونة في
شيء ، ولا ريب بأنَّ أصل الخلود مُودع في قرارة الإنسان إما بشكل غريزة أو بشكلٍ فطري ، وهو ما يُسمَّى بالرغبة في البقاء ، فلا تكاد تجد شخصاً ، ملاكاً كان أم إنساناً أم جنّاً أم حيواناً ، إلا وهو مفطور على حبّ البقاء ، وهذا الحبّ ليس سلبياً في حدِّ نفسه ، لأنه امتداد لبقاء الله تعالى ، بمعنى أنَّ الباقي انعكست بقائيته رغبة وفطرة في الخلق ، وإنما السلبي منه أن يظنَّ الإنسان - وهو الأهمّ - أنَّ عالم الدنيا دار بقاء فيطلب ذلك فيها .
وهذا الميل الفطري للبقاء إنما ينسجم مع الكمال لا النقص ، فالإنسان بفطرته فرَّار من نقصه مُلتصق بكماله ، ومن هنا تنعقد في داخله أو تسري فيه رغبة الخلود إلى كلّ ما يتصوَّره كمالًا ، وهذا السريان إيجابي فيما إذا كان قد نجح في الوصول إلى المصداق الحقيقي للكمال ، بل ذلك مطلوب منه شرعاً وعقلًا ، أعني : الكينونة في الكمالات الحقيقية ، إذن للخلود معانٍ أُخرى ومستويات تشمل أُفق الحياة الدنيا فضلًا عن أصله الكامن في الدار الآخرة .
ولأنَّ الإنسان يفهم جيداً معنى الخلود في الدنيا ويطلبه فيما يتحقَّق به من كمالات ، سواء كانت حقيقية أم زائفة ، فقد تبنَّى الشارع المقدّس هذه النقطة ، والتي هي نقطة ضعف حادَّة في بنائية الإنسان ، أعني : الرغبة بالخلود ، فقد جرى لسان الشارع في عرض هذه الرغبة من خلال أُفقي الكمال والنقص ، النعيم والعذاب ، فجرى التأكيد في آية الكرسي على مفاد الخلود السلبي الكامن في دوائر النقص والعذاب لأنَّ الإنسان بطبيعته لا يميل إلى أصل العذاب فكيف بالخلود فيه ، وهذا من باب الترهيب له ليرتدع عمَّا هو فيه ، ويبدو أنَّ ما عليه الإنسان ابتداءً هو ما يجعل الأصل فيه العذاب في النار والخلود فيها ، وأنَّ المُنجي له هو الإيمان والتقوى والعمل الصالح ، كما تقدَّمت الإشارة لذلك .
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 340
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٤٠