تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيداً ( النساء : 60 ) . وإذا ما استقرأنا النصوص القرآنية فإننا سنجد عشرات الشواهد التطبيقية على الإخراج والإدخال في مجالي النور والظلمة . إنَّ إملاء أو إخلاء المُستودع القابل لفيوضات النور ولهلكات الظلمات ذو طبيعة وجودية تكوينية ، وبالتالي فليس لِمُريد الإخراج والإدخال تحقّق ذلك تبعاً لرغبته ، وإنما الأمر أعقد من ذلك بكثير ، فلا بدَّ من تأهيل القلب على قبول الحقّ ، فالكِبر والعزة بالإثم والسخرية موانع حقيقية من الولوج في حاضرة الإيمان ، ولا بدَّ من منح النفس فرصة العود من الباطل ، بمعنى أنَّ التأمّل فيما أنت عليه ضرورة ومطلب أوّلي في الكينونة على الحقّ ، فإنَّ الغفلة والاستدراج كفيلان بإزاحة الإنسان تكوينياً عن موضعه ، حيث يجعلان المُستقبل مُستدبراً ، والعادل ظلوماً . وهنا تكمن قيمة المشارطة والمراقبة والمحاسبة ، ليتأكَّد للإنسان المُلتفت صحَّة ما هو عليه ، والغفلة عن شيء تتبعها غفلات ، والغفلات مكامن الشيطان بها يتصيَّد فرائسه ، ويُوهمهم بأنهم المهتدون ؛ قال تعالى : فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ( الأعراف : 30 ) ، فلا يخرج من الشيطان إلا ما هو مثله أو قرينه ، فيكون دأبه الصدّ عن سبيل الله تعالى ، وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ( الزخرف : 37 ) ، ولعلَّ الكثير ممَّن أظهروا الإيمان وكانت لديهم رشحات صدق إنما سقطوا في الفتن ، وصاروا طعمة لها لأنهم لم يرعوا لحظات التأمّل والدأب على المشارطة والمراقبة والمحاسبة ، وهذا السقوط من شاهق في وادٍ سحيق لا يُستثنى منه أحد قد ركن إلى نفسه وصغى لوسوسته ، ومسيرة الإنسان التأريخية المديدة حافلة بالنماذج الكبيرة أفرزتهم ثنايا الفتن ، كما أنها حُبلى بآخرين تشرئب