معنى الإخراج والإدخال وحدودهما
لا ريب بأنَّ الإخراج من الظلمات والإدخال في النور إلهياً ، والإخراج من النور والإدخال في الظلمات طاغوتياً ، لا يُراد به الظروف الزمانية أو المكانية ، وإنما المراد به إملاء أو إخلاء المُستودع القابل لفيوضات النور ولهلكات الظلمات ، وهو القلب البصائري لا القلب الصنوبري ، فمن أُنير قلبه كان من أصحاب البصائر الفائزين ، ومن أظلم كان من الخاسئين الخاسرين . وقد أشار القرآن الكريم في عدّة موارد إلى الجوانب التطبيقية للإخراج والإدخال في المجالين معاً ، ففي المجال النوري والظلماني معاً جاء قوله سبحانه : فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ( الأنعام : 125 ) . فشرح الصدر خروج من الظلمات ودخول في النور ، وتضييقه إخراج من النور إلى الظلمات .
وفي آية أُخرى تربط شرح الصدر بالنور الإلهي ، قال تعالى : أَفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ( الزمر : 22 ) .
وأما الذين أُخرجوا من النور إلى الظلمات فهم قساة القلوب الذين توعَّدهم بالويل لإطفائهم نور الفطرة ، الذين أبدلوا النعمة بالكفر ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ( إبراهيم : 28 ) .
ومن المراتب التطبيقية للإخراج من النور إلى الظلمات قرآنياً ، وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً ( الإسراء : 46 ) .
ومنها التحاكم إلى الطاغوت الذي أُمرنا بالكفر به ، فذلك مرتبة من مراتب الخروج من النور إلى الظلمة ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ