فجميع الأمراض الباطنية المتمثّلة بالأخلاق الذميمة ظلمات واقعية ، وجميع
الأخلاق الحسنة أنوار واقعية أيضاً ؛ إلا أنَّ أسوأ موارد الظلمات وأشدّها ما يتعلَّق بالشرك ، فالشرك ظلم وظلمة ، وظلمانيته منشأ الظلم للنفس ، فالظلم الشركي ظلم للنفس لأنه حاجب عن نور الفطرة ، ولا ينبغي أن يُتوهَّم وقوع الظلم على الله تعالى ، فإنَّه سبحانه على حدِّ تعبير الإمام الباقر :
( أعظم وأعزّ وأجلّ وأمنع من أن يُظلم . . . ) « 1 » ،
وبشاعة هذا الظلم هو أنه يسير بالاتجاه المقابل للكمال المطلوب تحصيله ، ولهذا الظلم الشركي مراتب ظاهرية بيِّنة تتعلَّق بوجود خالق أو مُدبِّر مستقلّ في قباله سبحانه ، ومراتب باطنية خفيِّة تتعلَّق بالعبادات ، وهو ما يُسمَّى بالرياء المُعبَّر عنه بالشرك الأصغر ، والإخراج الإلهي يشمل جميع هذه المراتب الظاهرية والباطنية .
وينبغي أن يُعلم بأنَّ مخالفة الوليّ المعصوم والخروج عن طاعته ولزوم متابعته هو خروج من ولاية الله تعالى ، والخروج من ولاية الله تعالى دخول في ولاية الشيطان ، حتى وإن كان الخارج أكثر الناس زهداً وتعبّداً وعلماً ، فذلك منه : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً . . . ( النور : 39 ) ، ولا يبعد أن يكون خروجه هذا أسوأ منزلة وأشدّ ظلمة من الكافر نفسه ، فالكافر لم يُبصر نور حقيقة الإسلام وفيوضات النبوّة ، وأما مُدَّعي الإسلام فقد وقف على ذلك كلّه ولكنه وقف لِيُبارز أولياء الله تعالى في أرضه ، ممَّا يكشف عن شدَّة عناده وبشاعة سريرته . وقد ورد عن أبان بن تغلب عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال : ( لما أُسري بالنبي صلى الله عليه وآله قال : يا ربِّ ما حال المؤمن عندك ؟ قال :
يا محمد من أهان لي وليّاً فقد بارزني بالمحاربة ، وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي . . . ) « 2 » .
هامش
( 1 ) أُصول الكافي : ج 1 ، ص 146 ، ح 11 .
( 2 ) أُصول الكافي : ج 2 ، ص 352 ، ح 8 . .