نعم ، إنَّ التشكُّل النوري طارد لضدِّه من الظلمة المقابلة له ، وليس طارداً
للظلمات الأُخرى ، فالعلم مثلًا طارد للجهل ، ولكنه لا يلزم منه طرد التهتك والضلالة ، فالعلم يجتمع مع التهتك كما أنَّ الجهل يجتمع مع التنسّك « 1 » ، وهكذا الحال في التجلِّيات الأُخرى ، ولكنَّ التجلِّي النوري الطارد لمقابله وإن كان ليس بطارد للتجليات الظلمانية الأُخرى إلا أنه داعٍ للتخلّص منها ، فالعلم وإن كان لا يُوجب الإيمان إلا أنه داعٍ لذلك ، كما أن التعبّد والتنسّك وإن كانا لا يطردان الجهل إلا أنهما داعيان للعلم والمعرفة ، ومن لا يجد من العُبَّاد في قلبه رغبة بالعلم والتعليم فلا خير في تعبّده .
إنَّ التجلِّيات النورية والظلمانية في الخلق مراتبية ، فأعلى مراتب النورية تتجلَّى في الوليّ المعصوم ، وأعلى مراتب الظلمانية تتجلَّى في الطاغوت ، وبالتالي فما تفرَّع عن الوليّ المعصوم فهو تجلٍّ نوري ، وما تفرَّع عن الطاغوت فهو تجلٍّ ظلماني . وهنالك جدلية بين الإخراج والإدخال المتبادلين ، فما خرج من الظلمة الطاغوتية فهو داخل في النور الإلهي ، وما خرج من النور الإلهي المتمثّل بالوليّ فهو داخل في الظلمة الطاغوتية ، ممَّا يعني أنَّ محور النورية والفاعل الأوّل في عملية الإخراج من الظلمات هو الوليّ ، وأنَّ محور الظلمانية والفاعل الأوّل في الإخراج من النور هو الطاغوت ، وهذا ما يُؤكِّد لنا حقيقة التضادّ الكبروي بين الوليّ والطاغوت ، فلا جامع مشترك بينهما ولا نقطة التقاء أبداً ؛ قال تعالى : فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ( يونس : 32 ) .
وأما ثالثاً : فإنَّ المصاديق الخارجية للنور والظلمة يعسر حصرها ، فمنها ظاهري مرئي ومنها باطني مخفي ، ولهذا صلة وثيقة بموضوعة الأخلاق ،
هامش
( 1 ) عن الإمام علي عليه السلام :
( قصم ظهري عالم متهتّك وجاهل متنسّك ، فالجاهل يغشّ الناس بتنسّكه ، والعالم ينفّرهم بتهتّكه )
. منية المريد ، للشهيد الثاني : ص 181 . .